منتدى المؤمنين والمؤمنات
عن عبادة بن الصامت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
أنه قال :
من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

فأتاهُ رجلٌ فَناداهُ : يا عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ ، ما تَرى في رجُلٍ قتلَ مُؤمنًا متعمِّدًا ؟ فقالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا قالَ : أفرأيتَ إِن تابَ وعملَ صالحًا ثمَّ اهتَدى ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، وأنَّى لَهُ التَّوبةُ والهُدى ؟ والَّذي نَفسي بيدِهِ ! لقَد سَمِعْتُ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، قاتِلُ مؤمنٍ متعمِّدًا ، جاءَ يومَ القيامةِ آخذَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ ، تشخَبُ أوداجُهُ في قِبَلِ عرشِ الرَّحمنِ ، يلزمُ قاتلَهُ بيدِهِ الأخرى ، يقولُ : يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلَني ؟ وأيمُ الَّذي نفسُ عبدِ اللَّهِ بيدِهِ ! لقد أُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ ، فما نسخَتها مِن آيةٍ حتَّى قُبِضَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وما نَزل بعدَها مِن بُرهانٍ
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 1/552
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح







منتدى المؤمنين والمؤمنات

-- قال صلى الله عليه وسلم وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء “
 
الرئيسيةالأحداثمكتبة المنتدىالمنشوراتالتسجيلدخولفيسبوك المؤمنون والمؤمنات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. ...
فهذه رسالة مختصرة إلى أهل الثغور في الشام،
وكما لهم حق النصرة فلهم حق النصيحة، فأقول:١
1--
عليكم بالاجتماع، فإن لم تجتمعوا على كمالٍ في الحق فلا تتفرقوا
بسبب نقص بعضكم، لا تفرقكم بدعة ومعصية فإنكم تقابلون كفرًا،
فقد اجتمع المسلمون على قتال العبيديين وقائدهم خارجي،
وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أهل بدع.




٢---
بالفرقة تُهزم الكثرة، وبالاجتماع تنصر القلة، ولن تنتصروا حتى تقتلوا هوى النفس قبل قتل العدو، فالهوى يقلب موازين العداوات فتنتصر النفوس لهواها وتظن أنها تنتصر لربها،
وقليل الذنوب يُفرق القلوب، قال النبي ﷺ: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) لم يمتثلوا باستواء صفوف الصلاة فتسبب بانـحراف القلوب،
فكيف بانـحراف صفوف الجهاد ولقاء العدو، فإن اختلفت القلوب فالتمسوا سبب ذلك في سوء الأعمال .



3----

إنكم في مقام اصطفاء ومقام ابتلاء، فمن أعلى مراتب الجنة جُعلت لمقاتلٍ قاتل لله، وأول مَن تُسَّعَر بهم النار مقاتل قاتل لهواه .

٤)----
إياكم وحب الاستئثار بالأمر وقد حذّر النبي ﷺ من (الأثَرَة) فاجعلوا همّكم نصرة الدين لا صدارة حزب وجماعة .

٥) ----
لا تخدعكم الألقاب فتوالوا لها وتعادوا عليها، فالله لا ينظر إلى ألويتكم وراياتكم وأسماء جماعاتكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،
لا تختصموا على اسمٍ فمهما بلغت أسماؤكم شرفاً فلن تكون أعظم شرفاً من كلمة (رسول الله) حيث محاها رسول الله بيده من صلح الحديبية
عندما نازعه المشركون عليها وذلك حتى يُمضي الحق وصالح الأمة .

٦)
----

ألقابكم اليوم لا تُفضّل أحد على أخيه ولا جماعة على أخرى وإن تنوّعت، فلا تسموا أنفسكم بأسماء فتجعلوا منها تشريعًا،
وولاءً وعداءً فإن كان منكم (أحرارًا) فليس البقية عبيدًا، أو (نصرة) فليس البقية خذلة، أو (دولة) فتقسموا الناس إلى تابعين أو مارقين،
فهذه أسماء ليس لكم منها إلا حروفها تتعارفون بها وتجمعكم لا تفرقكم، والعبرة بأعمالكم، فما ينفع (حزب الله) اسمه عند الله

٧)
 
لا يجوز لأحدٍ أن يجعل جماعته وحزبه قطبَ رحى الولاء والعداء، فلا يرى البيعة إلا له ولا يرى الإمارة إلا فيه،
ومن رأى في نفسه ذلك من دون بقية المسلمين فهو من الذين قال الله فيهم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)
قال ابن عباس لما قرأ هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم
إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله
وبالاختلاف والتنازع يذهب النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) قال قتادة: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
٨) ---
لا يصح فيكم اليوم وأنتم في قتال وجماعات أن ينفرد أحدٌ ببيعة عامة يستأثر بها ولوازمها عن غيره وإنما هي بيعة جهاد
وقتال وثبات وصبر وإصلاح ونـحو ذلك، ولا يصح من أحدٍ أن ينفرد بجماعة منكم فيُسمى (أمير المؤمنين) وإنما أمير الجيش
أو الجند أو الغزو، فالولايات العامة مردّها إلى شورى المؤمنين لا إلى آحادٍ منهم، والألقاب استئثار تفضي إلى نزاع وقتال
وفتنة وشر، وإنما صحت الولاية الكبرى من النبي ﷺ لأنه ليس في الأرض مسلم سواه ومن معه، وليس في
الأرض خير من نبي ولا أحق بالأمر منه، فلو استأثر فهو نبي لا يرجع لأحدٍ ويرجع إليه كل أحد .

9---- لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، فاتقوا الله في دمائكم، واحذروا مداخل الشيطان في تسويغ القتل وتبريره فتأخذوا أحداً بظن العمالة أو التجسس
أو التخذيل فالله حذر من الظنون التي تفسد أمر الأمة وتفرق شملها (اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)
ولا تجوز طاعة أميرٍ في قتل مسلم معصوم ومن أُمر بحرام كقتل معصومٍ فلا تجوز طاعته ولا بيعته حتى بيعة قتال،
 ولو بايعه فبيعته منقوضة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم  حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ وإن جهل سأل من يعلم،
حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام، فيُفسد آخرته بجهل أو تأويل غيره، فالله يؤاخذ كل نفس بما كسبت (كل نفس بما كسبت رهينةٍ)
ولا أعظم بعد الشرك من الدم الحرام .

تابع 9 ----

فقد صح من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمّر خالد بن الوليد إلى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:

صبأنا، صبأنا، فأمر خالد بقتل أسراهم، فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره،

قال: فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي ﷺ ورفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين .

فقد عصوا خالدًا لما اشتبه عليهم الأمر، وهذا في دماءِ من الأصل فيه الكفر فكيف بدم من الأصل فيه الإسلام ؟!

10 ----

عند النزاع انزلوا إلى حكم الله كما أمر الله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)
وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
فالنزول عند حكم الله إيمان والنفرة منه نفاق، وإن اختلف اثنان أو جماعتان فليتحاكموا
إلى ثالث من غيرهم، دفعاً لتهمة المحاباة، فقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين)
وفي الحديث الآخر: (لا تجوز شهادة ذي غمر (عداوة) لأخيه، ولا مجرب شهادة،
ولا القانع (أي التابع) لأهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)
وقد جاء معناه من طرق متعددة يشد بعضه بعضاً، وهذا في الشهادة وفي القضاء من باب أولى

١١)

احفظوا ألسنتكم فإن الوقيعة في أعراض بعضكم تزيد من أحقادكم على بعضكم، فما يزال الواحد واقعاً
في عرض أخيه حتى يمتلىء قلبه حقدًا وغلاً عليه فيُصدّق فيه ظن السوء ويُكذّب فيه يقين الخير .



١٢)
أحسنوا الظن بالعلماء ورثة الأنبياء واحفظوا قدرهم بالرجوع إليهم والصدور عن قولهم،
وأحسنوا الظن بهم واحملوا أقوالهم على أحسن المحامل، فمدادهم في نصرة الحق أثرها عظيم
وقد جاء عن جماعة من السلف (مداد العلماء أثقل في الميزان من دماء الشهداء)

13)

لا تُرحم الأمة إلا إذا تراحمت فيما بينها، ومحبة الله للمجاهدين ونصرته لهم معقودة
برحمتهم بالمؤمنين وتواضعهم لهم، وعزتهم على الكافرين، فإن من صفات المجاهدين
ما ذكره الله في قوله تعالى
: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).



ومن الله استمدوا النصر والعون هو المولى فنعم المولى ونعم النصير .



الشيخ عبدالعزيز الطريفي ١٧/ من ذي القعدة / ١٤٣٤ هـ
.

شاطر
 

 الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوطالب تاج
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
ابوطالب تاج


الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) Empty
مُساهمةموضوع: الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)   الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) I_icon_minitime19/4/2018, 6:19 pm

الحلقة الثامنة والاخيرة

من يظن أن المجتمع، في ظل حكم دولة الخلافة، هو مجتمع ملائكي، إنما ضلّ سواء السبيل، فهناك الكثير من الترسبات، التي تعمل دولة الخلافة على تنقية المجتمع من مخلّفاتها، ففي هذا السجن، الذي لا أزال فيه، تبين لي حجم الكارثة التي تنتظر جيلاً مع الفجر غاب، كارثةً يتوجب على دولة الخلافة الإسلامية الوقوف عندها، بل والنّحت في الصّخر من أجل تدارك فجيعتها، فهي، إن استمرت، إنما تنذر بسير مستقبل أمة نحو هاوية المجهول!

فلقد وجدت أن الكثير من الصبّية، إن لم يكن من الشباب، لا يعانون من الأمّية القاتلة فحسب، ممن لا يجيدون القراءة والكتابة فقط، بل أن كثيراً من هؤلاء قد أدمن طريق الإنحراف، وليس من السهل أن تعيده بين ليلة وضحاها إلى جادة الصواب..!

صدقوني إن قلت لكم أن معركة دولة الخلافة الإسلامية الداخلية لهي أشد وقعاً وأكثر حسماً لمستقبلها من معاركها القتالية على حدود الولايات.. الخطر الداخلي يتمثل في جيش من المنحرفين، ذوو عقيدة منسلخة، أو تكاد تكون هكذا، لا يعرفون من أمور دينهم سوى صلاة ضيّعوها، يُجبرون اليوم على تأديتها، ولو بحد السيف، وصيام لا لون، ولا شكل، ولا طعم له، إن كان هناك صيام من الأساس، وجامع كان لا يُزار إلا في السنة حسنة، كما يقال، وهؤلاء واجب إصلاحهم أهم من فتح مدن جديدة، وأهم من إضافة أراضِ أخرى إلى مساحات وأراضي دولة الخلافة المترامية الأطراف بعد الفتوحات المباركة، أو على الأقل منحهم ذات مساحة الدعم، فوقود المعركة، إلى جانب السلاح، الرجال والشباب الذين يتوجب تصحيح عقيدتهم وأفكارهم ليكونوا مؤهلين للإنخراط في صناعة مستقبل جديد لهذه الأمة، التي يُراد لها أن تهرم، بل ويعمل من سقتهم الذل يوماً على أن تشيخ، رغم إن الله قد كتب لها ديمومة الشباب والنَضْارَة، حتى تفنى الأرض ومن عليها، وتطوى السماء وما فيها.. ومهما كان عدد جيش الخلافة الذي يقاتل ويرابط على الثغور، فأعلموا أن الدولة الإسلامية بحاجة لجيشٍ آخر، يزيد هذا الجيش عدداً، وبأضعاف مضاعفة، لإعادة (هيكلة) كل هؤلاء الصبية، وتصحيح بوصلة هذا العدد من الشباب المنحرف صوب طريق الحق، طريق رب العباد..!

لكن، وقبل الخوض في آخر محطات سلسلة حلقات (هنا أرض الخلافة)، أود التنويه أن بعض الرسائل قد وصلتني، يستفسر أصحابها فيها عن قصة تحرير سجن بادوش، وأعداد المحررين له، متسائلين إنني كنت قد ذكرت إنهم كانوا ثلاثة مجاهدين فقط، في حين أن إصدار (فتح الموصل) أظهر، بحسب بعض المتسائلين، أن من حرر السجن أكثر من هذا العدد من المجاهدين!

لهذا وجب التوضيح إنني، بدايةً، أنقل عن الآخرين، ولست من يتحدث عن هذه المعلومات التي لم أكن شاهداً عليها، بل ناقلاً لها على لسان من عاشوها أو تعايشوا معها!

أما حكاية السجن الذي ظهر في الإصدار الجهادي (فتح الموصل) فقد كان التصوير لسجن (مكافحة إرهاب نينوى)، وليس لسجن (بادوش) المركزي الذي كنا نتحدث عنه، فسجن (بادوش) كان قد تحرر بعد أن يسر الله للمجاهدين هدم أسوار سجن (مكافحة إرهاب نينوى)، كما كان الشيعة والكرد والمرتدين يطلقون عليه..!

أعداد المجاهدين، الذين تم على أيديهم تحرير الموصل بجانبيها، تطرقت إليها بعض الرسائل كذلك، فلقد ذُكر على لسان (أبي عبدالله) إنهم كانوا خمساً وسبعين مجاهداً، في حين أن إصدار (فتح الموصل) قد أشار إلى ثلاثمائة مجاهد، ولا أعرف حقيقة الأمر إن كان (أبا عبدالله) كان يتحدث عن عموم محافظة نينوى، أم إلى مدينة الموصل فقط، لكنني، وبكل الأحوال، اُقدم رواية الدولة الإسلامية، ممثلة بإصدار (فتح الموصل) على رواية (أبي عبدالله)، وإن كنت أنا ناقلها، فهم أهل مكة، وهم أدرى بشعابها مني، ومن (أبي عبدالله)، الذي كان يقود محوراً واحداً من عدة محاور كانت تشرف عليها القيادة المركزية للمعركة الكبرى، لهذا فيقيناً أن الأصدار أدق مني، ومنه، في الحديث عن أعداد المجاهدين، الذين بارك الله جهادهم، حتى مكّنهم رب السماء من فتح الموصل، أو عموم نينوى على أيديهم!

ملاحظة ثالثة تناولتها بعض الرسائل، أخذ عليّ مرسلوها إنني كنت اُخفي سبب وجودي هناك، فأدعي بإنني متهم بهذه التهمة أو تلك، وهنا أود الإشارة إلى أن الدخول إلى هذه الأماكن، وبصفة صحفي، سيجعل مني شخصاً غير مرغوب الحديث إليه من قبل المعتقلين والسجناء، وهذا ما تعلمناه في دراساتنا الإعلامية حول كيفية الحصول على المعلومة، فحينما يُدرك الشخص المقابل أن من يتحدث إليه، كحاله، جاء بقضية ما، فإن ذلك سيجعله ينفتح بالحديث ويتوسع، لكن ما أن يعلم بإن محدثه صحافي، فإنه سينظر إليه، وكإنه القاضي والجلاد، فيهرب منه، كما تهرب الصحيحة من الجرباء، وحق لهم ذلك، بعد أن باتت مهنتنا الإعلامية لا تحوي إلا الجرباء، إلا من رحم ربي!

***
في هذا السجن رأيت العجب العجاب، رأيت اُسوداً جائعة تريد الخروج لتنهش من لحم الكلاب، رأيت مجاهدين مكبلين بقيود المخالفة، وآخرين حرمهم عدم التقيد بإصول وقواعد القتال من إكمال رحلة وطريق الجهاد، وجمع غفير أهلكتهم ذنوبهم ومعاصيهم، فجاءوا إلى هنا للقصاص منهم وفق شريعة الرحمن، كي يتم رد الحقوق لأهلها، فيتم الإنتصاف للمظلوم من ظلمته، وللمسروق من سارقيه، وللمقتول من قاتليه، بل لتطهير المسيء مما اكتسبت يديه، ومما سار إليه بقدميه، لعل الله يهديه، فيستقيم بعد توبة، أو يرأف بحاله يوم يكون بين يديه..!

لكن، وفي خضم هذا الكوكتيل، الذي يضم خليطاً غير متجانسٍ من المجاهدين والمذنبين واللصوص والمجرمين والقتلة والخاطفين، بقيّ سر وجود (أبو عبدالله) غامضاً بالنسبة لي، وكلما غاصَ أكثر في الحديث عن مآثر الجهاد التي شارك فيها، كلما تعمق لدي الشعور بضرورة إستكشاف سر وجوده هنا، فرجل مثله، كيف له أن يكون هنا، وكيف يستقيم الأمر إن كان هذا المجاهد الصنديد مجرماً!

كنت انتظر أن يُبادر هو إلى الحديث، دون أن اسأله أنا، لكني، وفي داخل نفسي، كنت أرجح نظرية وجوده هنا بسبب مخالفات جهادية، أو بسبب قضية مادية، كحال (أبي عمر)، أو ربما بسبب الفضول والبحث عن الحقيقة، كحالي أنا، لكن وقعُ الأمر عليّ كان أعظم من ذاك بكثير، فـ(أبو عمر)، قال لي، وهو يهمس باُذني:

دع الأمر الآن، حتى لا تثير المواجع..!

لكنني صحافي، وأحياناً أتجرد من المشاعر، وهذا ما تعلمته في دراستي الأكاديمية، لهذا لا يمكن أن أجعل الأمر يمر مرور الكرام هكذا دون أن أعرف، وهو ماجعلني، بعد همس (أبي عمر) لي بتجاوز الأمر، بسؤال (أبي عبدالله)، مقاطعاً أحاديثه عن بعض معارك لاحقة خاضها بعد فتح الموصل، إذ قلت له:

مثلك لا ينبغي له أن يكون هنا، فلماذا أنت هنا يا (أبو عبدالله)؟!

وهنا، وبدل أن يجيبني، صوّب نظراته نحو (أبي عمر)، وهو يحادثه، قائلاً له:

ماذا أقول له..!؟

ثم أضاف: قل له أنت يا (أبا عمر)!!

وهنا أبتسم (أبو عمر)، بعد تمردي على كلامه، وهو يُجيبني:

ما من فائدة، فضولك الصحافي، سيُهلكك..! قالها هكذا، ثم اعقبها بضحكة بعد الإبتسامة!

لكنني لم اقتنع بتحويل الجواب إلى (أبي عمر)، فقلت له: بل أريد سماع القصة منك أنت، لا نقلاً عن الآخرين!

قال لي: سأحدُّثك، بشرط...!

قاطعته، قبل أن يكمل جملته: أنا موافق!

فأستدار إلى (أبي عمر) وهو يقول له: يبدو أن أخانا (حامي)!

صَمتُّ بدوري، حتى لا أحول الحديث إلى مناقشة الفضول الصحفي، منتظراً الإستماع إلى شروطه..!

قال (أبو عبدالله): أنت صحافي، وحسبما علمت من (أبي عمر) إنك إعلامي معروف، وتستطيع أن تفعل الكثير، لهذا لن أتحدث حتى تعدني بإيصال صوتي إلى الخليفة..!

وعدته، بالكتابة عن قضيته يوماً، وأن أسعى أن يصل ما اكتبه إلى الخليفة نفسه، خصوصاً بعدما علمت عن جهاده ودوره في تحرير سجن (بادوش)، بمساعدة شقيقه، ومجاهد عربي، لا غير!

وافق على الحديث، بعدما وجد مني صدقاً في وعدي، أو ربما هذا ما توسمه بي، أن اَصْدِقَ في وعدي!

بدأ (أبو عبدالله) يتحدث أولاً عن دوره ودور أشقائه في المعارك الأولى، وعن تعاونه المثمر مع (أبو ليث)، الذي كان قد وصل في معركته بعد إنهيار قطعات البيشمركة الكردية إلى بوابة (كلك)، عند مدخل أربيل الغربي، والذي أشار (أبو عبدالله) إلى إنه لولا أن القيادة أمرته حينها بالتوقف عند حدود أربيل، بُغية إكمال السيطرة على نينوى، لكان للوضع اليوم شأن آخر، و(أبو ليث) هذا، كان قد تسلم إمارة ولاية نينوى، قبل أن يترجل عن فرس جهاده، ملتحقاُ بالرفيق الأعلى، مقبلاً غير مدبر، تقبله الله!

يواصل (أبو عبدالله) حديثه:

بعد الإنهيارات التي حصلت في صفوف القوات الشيعية والكردية، والمرتدين من الشرطة المحلية، فوجئت بعد فترة بإنه تم إستدعائي من قبل المحكمة الإسلامية، وبعد دخولي إلى السجن، قبل عرضي على القاضي، فوجئت بإثنين من إخوتي وهما يقبعان في السجن قبلي، دون أن أفهم السبب!

يضيف: حينما سألتهما عن الأمر أنكرا معرفتهما بأي شيء وتهربا مني.. لكن وبعد عرضي على القاضي، وهي المرة الوحيدة التي وقفت فيها أمام القاضي، أخبرني أن إخوتي هؤلاء قاموا، وبمشاركة أربعة آخرين، وبلا أوامر جهادية، بنصب نقطة تفتيش على أحد الطرق الخارجية، وأقدموا على قتل منتسبين سابقين للشرطة والجيش، دون أوامر قضائية، مع أن الأمن قد استتب حينها في الموصل، وتشكلت المحكمة الشرعية، التي هي من تختص بالنظر في مصير كل من يقطن على أرض الخلافة، حتى وإن كان عميلاً، أو جاسوساً، أو مرتزقٍ سابق، وهو ما جعلني اَعيشُ لحظات جنون حقيقية، فطالبت القاضي، يقول (أبو عبدالله)، أن أتولى بنفسي تنفيذ العقوبة في إخوتي، أياً كان شكلها، ومهما علت درجتها..!

كان (أبو عبدالله) يتحدث والوجع يعتصر قلبه، فيظهر على تقاسيم وجهه وقعُ الألم، ليرسم علامات وملامح الموت، وطلب الثأر والإنتقام، ليس لإخوته، بل منهم!

أقدم (أبو عبدالله) على مقاطعة أخويه مقاطعة تامة، ورفض الحديث إليهما، رغم إنهما كانا في زنزانة واحدة معه، وهدد بإنه لن يتردد لحظة من قتلهما، في ما لو حاولا التقرب منه في السجن..!

ينتقل الحديث لـ(أبي عمر)، ليكمل قصة رفيق زنزانته، بعد توقف (أبو عبدالله) عن الكلام، بعدما نادى عليه حراس القاعة، لينشغل بأمر الطعام والإستعداد لإستقبال وجبة جديدة من السجناء بعد الإنتهاء من الطعام..

روى لي (أبو عمر) لحظاتٍ، كنت اتمنى لو أن (أبا عبدالله) نفسه هو من يرويها، لولا الرأفة بحاله، وربما كان ذلك خيار (أبو عمر) بتولي مهمة إكمال الحديث عن القصة، حتى لا ينتكس (أبو عبدالله) نفسياً من جديد، من هول وقع الأمر عليه، إذ يقول إنه، وكلما فُتحت هذه السيرة، فإن الأسى يصبح رفيقه لأيام، خصوصاً بعد أن طالت أيام سجنه، لتقترب من المائة يوم، فالقضية فيها دماء، وقتل، خصوصاً، إذا علمنا، أن القصاص سيكون فيها هو القتل (حرابة)، وهو بالفعل الحكم الذي أصدره القاضي بحق المجموعة، المكونة من ستة أشخاص، بضمنهم إخوة (أبو عبدالله)، الذي أصر بنفسه على تنفيذ الحكم بحق إخوته، وقتلهم بيده، لكن القاضي كان له كلاماً آخر، فتم تنفيذ الحكم، بالقتل، على مرأى من الناس في وسط الموصل.. مع ملاحظة إنني تعمدت إدغام بعض التفاصيل في هذه القضية لدواعٍ أمنية!

ويروي (أبو عمر) لحظات أخذ إخوة (أبو عبدالله) من أمامه، لتنفيذ الحكم (قتلاً) فيهم، حيث يصف تلك اللحظات بالقاسية جداً، قاسية على (أبي عبدالله)، الذي كان صلباً صلداً، كما يصفه (أبو عمر)، وهو يرفض حتى اللحظة الأخيرة الحديث إلى أخويه، أو وداعهما، وهما يسيران إلى الموت، مكتفياً بإلتزام الصمت، في حين أن دموع السجناء جميعهم قد أغرقت السجن، من شدة هول الموقف، لكنه الحق والعدل، الذي خضع له (أبو عبدالله)، راضياً بقضاء الله وحكم شرعه، فإن لم يطبق هذا الشرع على المجاهدين أنفسهم، فلا خير فيهم حينذاك، لكنهم إنما يسيرون على نهج سيد البشر، حينما كان على إستعداد أن يقطع يد ابنته فاطمة، لو إنها سرقت، بل ولن يبارك الله في تلك الخلافة، إن لم تقام أركان حكمها على العدل الإلهي، وتسير على منهاج النبوة..!

يقول (أبو عمر)، أن (أبا عبدالله) رفض أن يعزّيه أحد في إخوته، مصراً على إنهما يستحقان مصيرهما هذا، بعد الذي أرتكبوه، وخصوصاً في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الخلافة، وقد إجتمعت ملل الكفر عليها، ما يجعل أي خطأ يرتكبه أحد من الجند، أو من الأمراء، لا يُمكن أن يغتفر، لكن ما يحزُّ في نفس (أبي عبدالله)، كما يقول (أبو عمر) أن القاضي يرفض إطلاق سراح (أبو عبدالله)، رغم إنه لا علاقة له بما فعله أخويه، بل إنه كان في سوح الوغى والجهاد حين وصله أمر الإستدعاء، لكنه، والكلام لـ(أبي عمر)، يتفهم دوافع القاضي، فهو يخشى، والظن لـ(أبي عمر)، من تأثير الأمر على (أبي عبدالله)، فينتكس حاله بعد فجيعته بإخوته، لهذا أراد له أن يبقى في السجن هنا حتى يستقر حاله!

كان هذا تخميناً من أبي عمر لقرار القاضي بالتحفظ على (أبي عبدالله)، لكن (أبو عبدالله)، بعدما عاد لاحقاً ليروي لي ما تبقى من القصة، أكد أن ما يزعجه، ويجعله يكاد يفقد صوابه، ليس ما جرى لأخويه، بل لإنه لا علاقة له بالأمر، فيُؤخذ بجريرة أخوية، فيحرم من العودة إلى سوح الجهاد، التي لم يغادرها منذ سنين، حتى يوم كان الأميركان هم من يفرضون سيطرتهم على المدينة قبل أن يتم إستبدالهم بالأذناب من الشيعة وملاحدة الكرد والمرتدين..!

يقول (أبو عبدالله)، وهو يحدثني عن بعض مما قام به، وكإنه يريد مني إيصالها إلى القاضي، أو إلى الخليفة، أو من يهمه الأمر:

لقد كنت أمتلك معملاً ضخماً للحجر وللمواد الإنشائية، حولته إلى أكبر مخزن للأسلحة، فكنا نأتي بسيارات من الأسلحة ونكدسها في معملي، رغم أنه يجاور موقعاً عسكرياً، وهو ما كان يجعله بعيداً عن الشبهات، وكانت جرافاتي (شفلات)، وسياراتي، في خدمة المجاهدين، ومن بيتي تنطلق معظم العمليات الإستشهادية التي كانت تستهدف القوات الشيعية والكردية في الموصل، وذلك ليس منّاً مني، بل هو الواجب، لكن، أبعد هذا يتم حرماني من الجهاد، بجريرة إخوتي!!

قل للخليفة إن تمكنت من الوصول إليه، هل يجوز ذلك، وأي شرع يقبل بهذا!؟

كنت التزم الصمت، تعجباً ومستغرباً، هذا الرغبة الجامحة التي تجعله يصل لهذا المرحلة من التوسل لإطلاق سراحه للعودة إلى سوح الجهاد، فيما كان (أبو عمر) يحاول تهدئته، ويقول له:

إنه الإبتلاء يا (أبا عبدالله)، فهلا أريت الله منك الصبر والثبات.. فيرد عليه بغصة وحسرة وكلمات تخنقها عبرة:
ومن أين آتي بالصبر يا (أبا عمر)، تالله لو إني فعلت شيئا، أو ارتكبت إثماً فهذه رقبتي وليفصلوا رأسي عن جسدي، لكنني اُخذت بجريرة إخوة، لم يراعوا حق الله، فنالوا نصيبهم من العقاب والجزاء، واُشهد الله إني راضٍ بما حُكم عليهما، بل وتمنيت لو إنني من ينفذ فيهما الحكم، لكن أن اُحرم من الجهاد، فهذا والله أشد ما يُحزنني، بل ويجعلني أشعر بالجنون!

(أبو عبدالله)، هذا الذي جعلني أشعر بضآلة حالي، وحال أمثالي، ممن يحسبون أنفسهم إنهم قد قدموا شيئاً للمجاهدين، من دعم أو إسناد أو مناصرة، يضيف قائلاً:

نعم والله أشتاق لأبني الصغير، وأتمنى أن أضمه إلى صدري، وقد فاض بي الشوق إليه كثيراً كثيراً، لكنَ والله شوق الجهاد أكثر وأكثر، ويفوق حب أبني الذي لا أقوى على وصف حاجتي لإحتضانه الآن..!

بعد أن ختم (أبو عبدالله) قصته، والتي تكفل (أبو عمر) برواية أجزاءٍ وفصولٍ منها لي، إستئذنتهما، بعدما كانا يتحدثان إليّ في تلك الزاوية المنعزلة من ركن إدارة قاعة السجن، وغادرتهما متجهاً إلى حيث المغاسل، متذرعاً بنيتي الوضوء لإداء الصلاة، مع أن وقتها لا يزال بعيداً، لكني في حقيقة الأمر كنت بحاجة للبكاء، فلقد بقيت صامتاً طيلة سرد قصة (أبو عبدالله) لي، وتحاملت على نفسي، حتى لا يفوتني شيئا من تفاصيلها، وحينما انتهيت من الإستماع لهما، وبعد الإستئذان دخلت الحمام لأرتمي على الباب من الداخل وأجهش في البكاء لعدة دقائق، رغم سروري لما كنت أسمع، فإن تمتلك مثل هذه المعدن من الرجال المؤمنين، الذي يؤثرون على أنفسهم، وعلى أهليهم، حب الجهاد، كيف لعدو كافر، أو رافضي مشرك نجس، أو مرتد ضّال، أن يهزمك حينها.. كنت أتمنى على نفسي أن تحتمل سماع مثل هذه القصص والحكايات، لكن من أين لي قلب يحتمل كل هذا الإيثار الجهادي الذي أراه!!

عدت من المغاسل، وبدل أن أتجه إلى (أبي عمر) و(أبي عبدالله)، كون لا تزال عيوني خارج سيطرتي، رغم كميات الماء التي رشقتها على وجهي، قررت أن أتجول في (ربوع) قاعتنا الطويلة العريضة، فأخترت الحديث إلى ذلك اللص الطريف، والذي سرق عمته، ممن كان يحمل، وللأسف، خير الأسماء، (محمد)، فلقد حدثني عن قضية الشابين الأخوين، ممن أفرج عنهما القاضي وكافأهما، بدل معاقبتها على سرقتهما، دون أن يحدثني عن قصته هو، والتي إكتفى بالقول عنها، إنها سرقة لدار عمته، ومحاولة قتل زوجها!

ناديت عليه، وأخرجته من بين زميليه، اللذان كانا يشكلان معه تعداد تلك العصابة التي إرتكبت الجريمة..!

سألته: يسمونكم عصابة (الرّقة)، فما الذي جاء بكم إلى الموصل..!؟

قال لي: أنا ومجموعتي من نينوى، ونسكن الموصل، لكن الشرطة الإسلامية إعتقلتنا في (الرقة)، حيث كنا في طريقنا إلى تركيا!

كررت سؤاله: قلت إنك سرقت عمتك، وحاولت قتل زوجها.. لماذا!؟

قال لي: لقد كنا نخطط لسرقة مبلغ خمسة ملايين دينار من دار عمتي، كوني كنت، وزملائي، بحاجة للمال، لتسديد دين علينا، وقد علمت أن لدى عمتي مبلغاً من المال، فقررت أن أسرقه بالإتفاق مع أصدقائي..!

كان حديث اللص معي مجرداً من أية أحاسيسٍ أو مشاعر، وكإنه يتحدث عن دار إمراة غريبة، لا عن شقيقة أبيه، وهو ما يرمز إلى الحال الذي وصل إليه شبابنا في ظل الاحتلال ومخلفات الاحتلال، ممن حكموا البلاد بالنار والحديد والفساد، فهذا الشاب العشريني حينما جاء المحتل لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة بعد، وزملائه أقل من هذا العمر..!

يواصل حديثه، في مجمل ردّه على تساؤلاتي:

لقد إتفقنا، أنا وزملائي، على مهاجمة دار عمتي، فأتجهنا إلى الدار، وطرقنا الباب، وحينما خرج زوج عمتي، سحبنا عليه السلاح، ثم قمنا بربط وثاقه، وكنت قد عزمتُ قتله، حينما حاول المقاومة، لكننا تمكنا من السيطرة عليه بعد ذلك، وكذلك فعلنا بعمتي التي ربطنا وثاقها، فيما أخذت أبحث أنا عن مكان المال المخبئ، حيث كنت على دراية بالموضع الذي تخبئ فيه عمتي المال، والذي وصلت إليه بيسر وسهولة، فكانت هنا المفاجئة، حيث تبين أن عمتي وزوجها يمتلكان مبلغَ خمسٍ وأربعين مليوناً من الدنانير العراقية، وهو مبلغ يعادل ما قيمته أكثر من أربعين ألف دولار أميركي تقريباً، فكان القرار أن لا نكتفي بما نحتاج إليه من مبلغ (زهيد)، بل أن نأخذ كل ما هو متوفر من مال، ثم نتجه بالمبلغ إلى تركيا، فهو مبلغ كبير يكفي لنرتب به أمورنا هناك، فاستأجرنا سيارة (تاكسي) واتجهنا إلى الحدود التركية..

قاطعته، مع إنه كان سيأتي على الجواب، لا محالة، لكني لم أطق الإنتظار حتى يتطرق إلى ما أريد معرفته.. إذ قلت له:

وكيف تم القبض عليكم، بعدما نجحتم من الخروج من الموصل!؟

فردّ عليّ:

بعدما وصلنا إلى مشارف (الرّقة)، تبين أن سائق السيارة الإجرة قد شك في أمرنا، وهو ما دعاه لإبلاغ إحدى نقاط التفتيش التابعة للدولة الإسلامية، التي قامت بتفتيشنا، فوجدت معنا المال، فأعترفنا مباشرة بالسرقة، وتم التحفظ علينا في (الرّقة)، لتوثيق إعترافاتنا هناك، قبل أن يتم إرسالنا إلى هنا..

وقبل أن يُكمل الحديث معي، نادى عليه، وعلى بقية زملائه، الحرس، طالباً منهم إستلام الملابس الجديدة المخصصة لهما، وهي عبارة عن بجامة، أو ما تسمى بالـ (تراكسوت) الرياضي، والإستعداد للمغادرة..!

شعر (محمد) بالرعب الشديد، بعدما تحول وجهه إلى ما يشبه الكركم الهندي، أو الطماطة الهولندية المتخشبة، التي يتوزع لونها بين الأحمر والأصفر، فكاد يفقد السيطرة على نفسه، وهو الذي كان يتحدث بكل برودٍ عن جريمته، فقال لي، وهو يرتدي الملابس التي استخرجها من الكيس النايلوني:

ماذا تتوقع.. هل يرحلونا إلى الرّقة ثانية، أما ماذا!؟

وكعادتي في مثل هذه المواقف، أذكر أسوأ الإحتمالات، مداراة للمشاعر، حتى لا تتم مفاجئتهم بما هو أسوأ، فقلت:

إما قطع يد، أو قطع رأس!

فأخذ يتحسس رقبته تارة، وتارة كف يده، وهو يرتجف من شدة الخوف..!
غادر (محمد)، وزملاء جريمته، القاعة، وما هي سوى ساعتين أو ثلاث، حتى عاد إلينا، ولحظات الخوف والرعب الذي خرج بهما قد إزدادت نسبتهما، حيث أخذ يُحدّث من استقبلوه عند الباب، وهم يتساءلون عما جرى، إنه تم توثيق إعترافاتهم، عبر التلفزيون، وما كان يقصده، إنه تم تصويرهم وهم يتحدثون عن كيفية إرتكابهم للجريمة.. وليس هذا ما كان يرعبه، بل ما كان يثير الهلع في نفسه إنه سيتم عرض التصوير على الخليفة، كما أخبروه بذلك، بحسب ما يزعم.. وكان يسأل كل من يقف معه، عن توقعه عن الحكم الذي سيصدره الخليفة بحقه، مع أن هذا الأمر كان من إختصاص القاضي، وليس الخليفة، لكن، وعلى ما يبدو، كان هناك من يريد إرهابه وإرعابه أكثر مني، أو ربما أن هذا هو بالفعل ما سيحدث، نتيجة طبيعة ونوع الجريمة التي إرتكبها هذا الشاب بحق عمته وزوجها، لا أدري!

قصة الشاب (عصام)، إنموذجاً آخر لإفرازات الاحتلال ورماده الذي خلفه، فهذا الشاب قد تورط في سرقة دار عديله، (زوج شقيقة زوجته)، كما هي تهمته، الذي كانت تنهمر دموعه بغزارة أمامي، وهو يحدثني عن ولادة زوجته لطفلةٍ، وهو في هذا السجن، طفلة اسمتها أمها (أميمة)، بعد أن دخل هو السجن قبل ولادتها بإسبوع..!

لكن (عصام)، والذي كنت اُناديه من بعيد بـ (حرامي عديله) كناية عن تهمته، كان يضحك وهو يقول لي:
كلما حاولت أن أنسى تهمتي تذكرني بها أنت فتحزنني..!

كان (أبو عمر) يكثر من الحديث إليه ناصحاً إياه بالإقلاع عن السرقة، فكان يؤكد له أنه، وبمجرد الخروج من هنا سيقوم بذبح خروفين لوجه الله تعالى، ما يجعلني أتدخل قائلاً: يبدو أنك سرقتك كانت دسمة من (عديلك) ما يجعلك تملك خروفين، فكان يضحك، ويقول:

لا والله، بل سأجعلها من مال حلال..!

كان (عصام) هذا، وقبل تحرير الموصل، قد تعرض للأختطاف على يد عصابة مدنية تابعة للآسايس (إستخبارات البيشمركة الكردية)، وأخذوه بعد الإختطاف إلى وكر سري، كي تتم مبادلته لاحقاً بمبلغ كبير من المال كفدية، كما يؤكد، لكنه، وبعد أيام من الإعتقال، وأثناء محاولة إطعامه من قبل سجانه، تمكن من مباغتة الحارس، فأخذ سلاحه (مسدس)، وأقدم على قتل الخاطف، الذي كان يتواجد لوحده في الدار، في ظل غياب الباقين، ليهرب بعد ذلك، حتى وجد نفسه في قرية جبلية، وحينما هب الناس لنجدته، بعدما رأوه في ذاك المنظر المرعب الذي كان عليه، كما يستطرد، سارعوا لإقتحام البيت الذي كان مختطفاً فيه، ليجدوا فيه العديد من الجثث، بعضها تم دفنه، وبعضها لم تدفن بعد، وليكون بذلك (عصام) سبباً في إكتشاف واحدة من أشهر جرائم الخطف التي كانت تنفذها فرق الموت التابعة إلى الآسايش الكردية..!

كان (عصام) يكثر من ترديد أنه بريء، رغم أن الأدلة الثبوتية والجرمية كلها أكدت إنه متورط في جريمة سرقة دار شقيقة زوجته، خصوصاً وأن (عديله) هو من وجّه له هذه التهمة، كما أن المسروقات وجدت في داره، لكن القاضي، الذي قابله خمس مرات، كان يرفض النطق بالحكم حتى يقرّ (عصام) بالتهمة، وهو ما جعل فترة حبسه قد تجاوزت الأربعين يوماً..!

(عصام) ظل يُردد، طيلة فترة وجوده في ذلك السجن، إنه ما أن يخرج من هذه الزنزانة حتى يسارع إلى التكفير عن ذنوبه السابقة، دون أن يحدد إن كانت سرقة (عديله) من بين تلك الذنوب أم لا، لكنه كان يُكثر من اُمنيته الإلتحاق بسوح الجهاد، فهي الطريقة الوحيدة، كما يقول، التي تجعل توبته مقبولة عند الله..!

كان (عصام) وهو يتحدث، يضغط كفيه بقوة على رأسي، وهو يقوم بعملية تدليك لرأسي، بعدما داهمني صداعاً متقطعاً لأيام، ألم حاول أن يمنع عليّ فضول معرفة قصة كل من كان يقبع في هذا السجن، لكن دون جدوى، فلا يمكن لصداع، أو وجع، أو توعك، مهما كان شكله، أن يمنعني من التطفل على خبايا وخفايا كل من دخل هذا المكان، وهم يحيطون بي، كما تحيط الإسوارة بالمعصم!

وما أن ينتهي (عصام)، من عملية المساج لرأسي، والذي يمتد أحياناً إلى أكتافي، يبدأ يمسك برأسه ويردد أن الألم إنتقل إلى رأسه هو، مؤكداً إنه وكلما عمل مساجاً لمن أصيب بالصداع، ينتقل الألم بالتالي إلى رأسه، فكنت أمازحه، بالقول:

إن إقتنع القاضي بإنك لست لصاً، فسأقتنع أنا بما تدعيه الآن..!

فكان يقسم بأغلظ الأيمان على صحة كلامه، وهو يضحك!

كان ثمن مساج (عصام)، الذي يقوم به لرأسي، جلوسه معي وإستماعه إلى الكثير من القصص الصحفية التي أرويها له، ولغيره ممن يشاركونه الإستماع لي، والتي تنتقل إلى الحديث عن أوربا التي قدمت منها، وكيف يعيش الناس فيها، وكيف يفكرون، وكيف ينظرون إلى الإسلام، وسرعان ما ينتقل الحديث بعد ذلك إلى ربط ذلك بالمجتمع المسلم، لأبدأ من خلال ذلك مهاجمة الجالسين وإنتقادهم، ومطالبتي كل واحد منهم بذكر قصته، كي أدعم بها دقة كلامي، مع أن حقيقة الهدف الرئيسي من هذا الأسلوب كان لمعرفة قضايا هؤلاء الذين يجلسون قربي مستمتعين بحكاياتي، والذين كانت تتبدل وجوههم مع كل جلسة جديدة، إلا (عصام) الذي يبدو لي إنه كان يستخدم نوعاً من الصمغ الذي يستعمله حكام المنطقة الخضراء الجدد، أو حكام البلدان العربية، ممن لا يفارقون كرسي الحكم والعرش إلا إلى القبر، إلا أنني وجدت طريقة مبتكرة لجعل (عصام) يهرب، كالغزال، من أمامي، كلما أكثر من أسئلته التي تستفزني، فلا فضول أريد له أن يتفوق على فضولي على ما يبدو، لهذا كنت أقطع الحديث فجأة، لأقول لـ(عصام):

ما شاء الله، لقد ذهب الألم من رأسي مباشرة بعد دقائق من قيامك بالمساج!

فيفرح لذلك (عصام)، كوني أثبت للجالسين إنه بارع في عمله هذا، لكني سرعان ما أعقبها بالقول:

أتدري إن خيرة السحرة لا يستطيع عمل هذا، أنت ساحر من الطراز الرفيع!

وهنا يبدأ (عصام) يتلفت شمالاً ويميناً، وعلامات الرعب بادية في وجهه، وهو يقول:

يبدو أنك لا تريد للقاضي أن يكتفي بقطع يدي على تهمة السرقة التي جاءت بي إلى هنا، بل تريد له أن يضرب رأسي بالسيف ويقطع عنقي بتهمة السحر.. ثم ينهض، من فوره، من الجلسة ليغادر، ويده تمسك برقبته، مردداً:

الله يسامحك أبو قسورة!

بعض قضايا المعتقلين، والتي يكون فيها الخصم هو الدولة الإسلامية سرعان ما تنتهي، ويغادر صاحبها هذا السجن، وهذا ما شدّ إنتباهي.. فأكثر من قضية كانت تحت هذا البند، أي أن تكون الدولة الإسلامية هي الخصم، فيتم حسمها بسرعة، ولا اُبالغ إن قلت أن بعض المعتقلين كان يتمنى أن تكون الدولة الإسلامية هي خصمه في قضيته حتى يتم حسمها بسرعة، لكن يا ترى كيف يكون الحكم في مثل هذه المسائل، وكيف تأخذ الدولة الإسلامية حقوقها في مثل هذه الحالات، خصوصاً حينما تكون هي الخصم، وهي القاضي، وبيدها سوط الجلاد!؟

مداهمة لدار أحد المشتبه بهم، تمت في ظلام أحد الليالي، تسببت في مقتل أحد رجال الدولة الإسلامية، بعدما ظنه صاحب الدار لصاً يحاول سرقة الدار، فأطلق النار عليه، ليرديه قتيلاً في الحال، فوجد الفاعل نفسه معنا في هذا السجن، وبعد عرض متكرر على القاضي أفرج عنه، وأخلي سبيله، فالتهمة الإولى (الإشتباه) أثبتت إنه بريء، وتهمة القتل، تم العفو فيها عنه، كونه قتلاً غير متعمد، وأشبه ما يكون بدفاع عن النفس، نتيجة الظلام الذي كان يلف المكان، والذي لم يتعرف فيه القاتل على هوية المهاجم، فتم إطلاق سراح القاتل، ليغادر السجن إلى داره!

وفي ذات السياق، لفت إنتباهي تهمة أخرى وجهت لإمام وخطيب جامع عثمان بن عفان، وكان رجلاً في الأربعينات من العمر.. فالإمام والخطيب تم إتهامه بالوشاية بمجاهدين من الدولة الإسلامية، كان يعرفهم، فمنح اسماؤهم وعناوينهم للجيش الشيعي وللشرطة المرتدة، قبل أن يتم تحرير الموصل وفتحها، وقد حصلت الدولة الإسلامية على الوثائق التي تدين هذا الإمام والخطيب من ملفات الجيش الشيعي والشرطة المرتدة التي عثرت عليها في مقراتهم، بعد هزيمتهم من الموصل..!

كان هذا الإمام يُكثر من الجلوس إلى (أبي عمر) ليحدثه عن قصته، وتفصيلاتها، والسبب الذي اضطره لتسليم عناصر الدولة الإسلامية إلى الشيعة وإلى المرتدين، حيث كان يبرر ذلك بالتعذيب العنيف الذي تعرض له على أيديهم، حتى إنه ما عاد يحتمل طرق تعذيبهم البشعة، خصوصاً بعدما قاموا بكسر عدد من أضلعه، بل إن آثار التعذيب على جسده كانت كوشم استبدل لونه الأخضر بالأزرق، وإن ما جرى كان خارج عن إرادته نتيجة ما واجهه من ألم مميت!

مثل هذا الشخص كنت أتوقع أن تكون نهايته ضربة بالسيف، كما هو متعارف، كحكم شرعي لمرتكب مثل هذه الجريمة، لكن القاضي كان له رأي آخر، فهو قد وجده مكرهاً على هذا الفعل، خصوصاً، أن التقارير الطبية أكدت صدق كلامه بخصوص التعذيب العنيف الذي تعرض له، فتم إطلاق سراحه، وعاد إلى منبره في ذلك الجامع، بل وما وصل إلى أسماعي لاحقاً إنه بايع الدولة الإسلامية بعد خروجه من سجنها!

شابان من الموصل، كان أحدهما يرتدي معطفاً، أسود اللون، يكاد يصل إلى أخمص قدميه، فوق (شروال) كردي، أشبه ما يكون بالسروال الفضفاض، لمن لا يعرف معنى الـ(شروال)، في حين أن الشاب الثاني كان يرتدي بنطلوناً من الجينز، تم إعتقالهما، حينما كانا يقومان بالتصوير من سيارتيهما في شوارع الموصل..!

لا أعرف، حقيقة، ما تكون تسمية تهمتهما، وقد اهتممت بالأمر، كون الموضوع يتعلق بالتصوير، خصوصاً وإنني أحمل معي كاميرتين، بدل الواحدة!

كان الشاب الأول ذو صوت شجي، فكان يطلب من (أبو عمر)، أن يرفع الآذان بين الحين والحين، بل وزاد على ذلك أن أبدى إستعداده لإستضافة (سليمان) الذي كان أزيدياً، والذي إعتنق الإسلام داخل السجن قبل وصولي بأيام..!

و(سليمان) هذا، هجر أهله في سنجار، ولجأ إلى الموصل، وكان يرفض مغادرة السجن، حتى يتعلم أمور دينه الإسلامي بشكل جيد، كما يقول، لكني ورغم ذاك لم أعرف سبب وجوده بيننا، وعدم حديثه باللغة العربية أو الكردية كان هو العائق لي لمعرفة تفاصيل قصته، لعدم وجود مترجم، لكنه كان يُكثر، وكلما توقفت معه، من ترديد: الحمدلله.. الله كريم!

الشابان المتهمان بتصوير شوارع الموصل، وبعد عرضهما على المحكمة، وبعد جمع المعلومات عنهما، تبين إنهما يديران صفحة على الفيس بوك، والغاية من التصوير كانت لرفد صفحتهم ببعض الصور والفيديوهات، رغم أن هناك حظراً على التصوير، كي لا يتم إستغلال هذا الأمر من قبل أعداء دولة الخلافة، من المتربصين بها، فتم تعزيرهما بعد أربعة أيام من إعتقالهما، ثم غادرا السجن بعد ذلك!

هناك في تلك البقعة التي كنت فيها، تجد الساعات تمر سريعة كأرتال شيعية أو كردية تلاحقها لعنات السماء، قبل رصاص وعبوات الدولة الإسلامية، وتارة، تجدها ثقيلة، كالسير في وحل مستنقع غاصت فيه أميركا، فما عادت قادرة أن تبقى فيه أو تتركه، خصوصاً حينما تنتهي روايات السجناء، فتجلس لتبحث عما تشغل به نفسك، فلا تجد سوى الهرب إلى الصلاة، أو اللجوء إلى النوم، أو الدعاء أن يرزقك الله سجيناً جديداً لتحصل منه على قصة مستجدة وحكاية أخرى..!

وبما أن الشر والخير يسيران جنباً إلى جنب، كسكة قطار لا يتلقي فيها طرفاها، أو يتقاطعا، مهما اَستمر تتابع محطات الحياة، لهذا فالأمل بدخول مزيدٍ من الزوار إلى هذا السجن لا يزال قائماً، ولن ينتهي حتى نهاية الشر، ولن ينتهي!

زائر جديد جاءنا للتو، اسمه (سعد)، شاب في ريعان الشباب، فهو في عقده الثاني لا غير، نحيل، نحيف، طويل..

جلس يتلفت يميناً وشمالاً بعد دخوله، وكالعادة، كنت له الراصد.. حتى أتوصل إلى سبب دخوله هذا المكان، وخشيتي أن اُصدم بقصة مخزية أخرى، ككثير من التي وجدتها دين للكثير من الداخلين إلى هنا..!

سألته عن تهمته، حتى قبل سؤال عن اسمه..

وضع رأسه بين ركبتيه، ثم نطقها بخجل:

أنا من (الإخوة، ولكن..)!

ولكن.. اُدرك أن هذه الـ(لكن) تخفي وراءها الكثير الكثير، فكم من (لكن) غير مسارات ووجهات، وكسرت سيقان ورقاب، وقبضت اُمنيات وآمال، بل وحطمت صروح وقلاع!

طلبت أن يكمل ما بعد الـ(لكن)، ومما زاد من فضولي قوله إنه من الإخوة، أي من المجاهدين!!

تلفت يميناً وشمالاً، فما كان يريد لأحد أن يعرف ما الذي جاء به إلى هنا..

تردد من الحديث، بل وتوقف، لولا أن تدخل (أبو عمر) الذي سأله عن مكان عمله الجهادي، ومن المشرف عليه، وغيرها من الأسئلة التي حصل (أبو عمر) على إجاباتها بيسر وسهولة، عكسي أنا، فلقد تجاوب (سعد) مع (أبو عمر)، خصوصاً بعدما أخذ يسأله عن هذا المجاهد وذاك القيادي، وهو يرد، وكإنه في قاعة إمتحانية، لا يقل تأثيرها على (سعد) من قاعة المحكمة، التي جاء منها الآن، والتي سيعرض عليها لاحقاً مرة أخرى، ليبت في أمره على يد القاضي..!

إستفزني (أبو عمر) بحديثه معه، فـ(أبو عمر) بدأ يأخذ في الحديث معه ويعطي، دون أن يتطرق إلى تهمته التي جاءت به إلى هنا، ربما لإنه يدرك إن الكثير من التهم التي تأتي بالمجاهدين إلى هنا، إما تكون مخالفة أوامر أو قضايا تتعلق بأمور مدنية أو مادية، كالقضية التي جاءت به إلى زنزانة هذه القاعة، وهو ما جعلني أتدخل، بعدما أطاح الفضول بعروشي، فسألته ثانية:

أي مصيبة جاءت بك إلى هنا؟!

قلتها بعصبية، وكإنني محقق أنابتني المحكمة لسؤاله والتحقيق معه، حتى أن سؤالي أضحك (أبا عمر)، الذي تراجع للخلف قليلاً، وهو يقول:

هو لك!!

أدرك (سعد) عصبيتي المفرطة، فراح يوزع النظرات بيني وبين (أبي عمر)، وكإنه يسأله عن هويتي، ما دعا (أبي عمر) ليخاطبه بالقول:

لقد أوقعك الله بيد صحافي!

كانت الإجابة وحدها كفيلة لتجعل من (سعد) ينفر مني، وينهض مباشرة، ليغادرني متذرعاً بالبحث عن صديق يعرفه، فيما تمدد (أبو عمر) على ظهره، واضعاً رأسه على وسادته ويغطي رأسه بالبطانية، لينفجر ضاحكاً بقوة، بعدما (طفش) زبوناً، كنت سأضم قصته إلى خزينة قصصي التي بدأت تتزاحم في رأسي، حتى شككت لحظة، من عددها وكثرتها، إنني سأنساها جميعها!

اعتدلت وجلست في مكاني بعد مغادرة الشاب (سعد) لي دون أن أحصل منه على ما يسيل له لعاب أي صحافي.. لكنني لم أستسلم، وكيف لي أن أستسلم، فقد بقيت اتعقبه ساعات وأيام، حتى عاد إلى مضاربي، ليقتع أخيراً بالحديث إليّ، ولكن بشرط أن لا يعلم أحد بحقيقة ما جاء به إلى هنا، إلا أنا، و(أبو عمر)، ورفيق ثالث، لم أتطرق إليه في سلسلة الحلقات هذه، فقد كان ثالثنا أنا و(أبو عمر)، لكن لدواعٍ وإعتبارات كُثر، لم أتطرق إلى هويته أو سيرته أو قصته!

بدأ (سعد) يتحدث لي، ولـ (أبي عمر) عن حكاياته، والسبب الذي جعله يأتي إلى هذا السجن..

قال( سعد): تطوعت للعمل الجهادي بعد الفتح المبارك، أي بعد فتح وتحرير الموصل، ودخلت معسكر التدريب، وقضيت فيه ستة أسابيع، تخللها دورات شرعية، إلى جانب التدريب البدني والعسكري، وكنا نأوي إلى فراشنا بعد يوم مثقل بالتعب، وكان يجلس بجانبي شاب آخر، وكنا نتحدث عن حياتنا السابقة، وكيف كنا نمارسها بضلالها وظلامها..!

وفي أحد الأيام، ارسل عليّ أميري في المعسكر، الذي علم، بطريقته، إنني كنت أتحدث عن ماضيي، دون أن يبدو لمن كنت اتحدث إليه، إنني نادم، بل أن الحديث ظهر وكإنه تفاخر بما كنت أفعل، ما جعل الأمير يوقفني عن التدريب في المعسكر، ويحيلني إلى القاضي، كي يبت في أمري، حول الإستمرار في التدريب، ومواصلة مشواري، أو الطرد من العمل الجهادي!

سألته عن عرضه على المحكمة، وبماذا أخبره القاضي حول مستقبله مع المجاهدين، فقال لي، وحسرة تنافس شهيقه، وخيبة تعلو وجهه:

(رزّلني) القاضي، كما يقال بالعراقي.. أي وبخه..!

ثم أضاف: قال لي القاضي: كيف سننتصر بأمثالك!

ومع إنه لم يحسم ملفي بعد، لكنني أظنه سيقوم بطردي من العمل الجهادي..!

قالها (سعد)، وكان يريد أن يبكي، كما أحسست، لولا خشيته من أن يتكشف أمر تهمته أمام بقية السجناء الآخرين، الذين أخبرهم على ما يبدو بقصة أخرى، أقل سوءاً وعاراً من قصته، كما ينظر إليها هو!

ثم ختم بالقول:

والله إني كنت أمزح مع زملائي حينما تحدثت عن هذا الأمر، ما جعل (أبو عمر) يلقي له محاضرة كاملة عن الأخلاق، وشروط التوبة، وأهمية نقاء سريرة المجاهد، حتى يتقبل الله جهاده، أو يرزقه النصر!

كان (سعد) بارعاً هو الآخر في التدليك، حتى أن كثير من السجناء، ممن يعرفونه أو لا يعرف، كانوا يلجأون إليه لمساعدتهم في التخلص من آلالام الرقبة والظهر وأوجاع الرأس وصداعه، كحالي أنا، بعد أن وجدتها فرصة للتقليل من حاجتي إلى (عصام سارق عديله)، كما اُسميه، والذي يشترط عليّ الإستماع إلى قصة من أرشيفي الصحفي، أو إلى حكاية من أوربا التي قدمت منها، وهو ما كان يزعجني، لوجود من ينافسني في مسألة التلصص والبحث عن القصص والحكايات، فكان كمن يحاول أن يُعلّم الحزينة على البكاء، كما يقول المثل العراقي!

مخالفة (سعد) الشرعية، التي تسببت بتهديد مستقبل جهاده، هي ليست الأولى بالتأكيد، مثلما لن تكون الأخيرة يقيناً، فهناك ابصرت شاباً عشرينياً آخر، رصدته ينزوي وحيداً طيلة الوقت، مرتدياً بزة القتال السوداء، لكنه يجلس بعيداً عن حلقات المجاهدين، رغم إنه ينام بجوارهم، مكتفياً بحمل مصحفاً بيده طوال الوقت، حتى إنني بقيت أجهل اسمه، أو كنيته لغاية الساعة، لكني تمكنت من معرفة قصته..!

فلقد أتجهت إليه وجالسته، بعدما سلمت عليه، ودون عناء، أدلى لي ما بجعبته مما جاء به إلى هنا..

تحدث لي وهو يبتسم، لكن الإبتسامة لم تكن كاذبة فقط، فقد كانت تخفي ورائها ما هو أشد إيلاماً من الألم ذاته..

كان يمسك بخيوط من ذلك الفراش الذي كان يجلس عليها، ليكشف عن حجم قلقه من مصيره الذي ينتظره بحكمٍ من القاضي، وهو أشد ما يرعب المجاهد، حينما يصبح مستقبل جهاده على كف عفريت، نتيجة نزوة عابرة، أو ذنب عابر، أو معصية، قد يراها البعض بسيطة لا تستحق الوقوف عندها، لكنها في حسابات جيش الخلافة، قد تتسبب بتأخير النصر، أو تورث الهزيمة، لا سمح الله..!

قال صاحبي، الذي خفي عني اسمه، ولم أكلف نفسي عبء السؤال، وحتى لا أعرف سبب تهاوني في هذا الأمر لحظتها، بعدما اعتدت أن يكون أول غيث اسئلتي التعرف على اسم محدثي:

إن حكمي الطرد من العمل الجهادي، لا محالة!

تساءلت عن السبب، فذكر لي أنه إرتكب فاحشتين في آن واحد، وكل واحدة منهما أشد فحشاً من الثانية، بل إن إحداهما لهي كافية لأن تضع حداً لجهاده..

زادتني مقدمته هذه لمعرفة طبيعة الجريمتين اللتين أرتكبهما، ما دفعني للقول له:

أوضح، لقد طفح كيل صبري؟!

فازدادت مساحة إبتسامته الكاذبة، لكني احسستها هذه المرة أكثر صدقاً من الأولى.. قبل أن يقول:

أنا من بغداد، وقد دخلت العمل الجهادي بعد الفتح، وكانت لي علاقة تواصل مع فتاة، مذ كنت في بغداد قبل الفتح، بهدف الزواج منها، وقد بقي تواصلي مع تلك الفتاة بعد إلتحاقي بالعمل الجهادي ومبايعتي لدولة الخلافة الإسلامية، وفي أحد الأيام علم أميري إنني أحمل هاتفاً في المعارك، فتمت مصادرته مني، وإحالتي إلى لجنة تحقيقية، فأكتشفت اللجنة، وهي تطلع على الهاتف ومحتواه، قيامي بإرسال رسالة (مسج) إلى هذه الفتاة، قلت لها فيها: (أحبك يا حبيبتي)، وحينما تمت مواجهتي بالرسالة أخبرتهم إنني أنوي الزواج من هذه الفتاة، بعدما سألوني عن شكل العلاقة التي تجمعني بها، وإن كانت شرعية أم لا، وحينما أخبرتهم إنني لم أرتبط بها بعد، ولم يتم مفاتحة أهلها لغاية الساعة، تمت إحالتي إلى القاضي، وأوقفت عن عملي الجهادي بتهمتين، حتى يتخذ القاضي قراراً بحقي!

وحينما سألته عن سر تخمينه، أن الطرد من العمل الجهادي هو الحكم، كما يعتقد، أجاببني:

لقد قابلت القاضي، وسألني عن مخالفتي في حمل الهاتف أثناء المعارك، وقد بدى ممتعضاً، ثم عاد ليسألني عن التواصل المحرم مع فتاة، وكتابة كلمات الغرام والحب في رسالتي لمن لا تربطني بها علاقة شرعية بعد، فأعترفت له بالذنب، لكنه بقي غاضباً جداً من فعلي هذا، ورغم ذلك لم يحكم بعد، بإنتظار عرضي عليه ثانية، رغم إنه قال لي في المرة الأولى، إنه لا ينبغي لأمثالي أن يستمروا في الجهاد، فيتسببون في إنتكاسات لإخوتهم المجاهدين، بسبب ذنوبهم، فيدفع المجاهد ثمن معاصي غيره!

وما دام الحديث عن المجاهدين، وعن بعض الأخطاء التي يرتكبونها، فسأتطرق هنا إلى أولئك المجاهدين الثلاثة، الذين دخلوا علينا مرة واحدة، بلباس (قندهاري)، صحراوي اللون.. فهؤلاء الثلاثة، قصتهم عجيبة، وجريمتهم غريبة، بل تجعل كل من يستمع لتفاصيلها يتمنى أن يكون هو من يرتكبها، لولا عواقبها الوخيمة!

الفتية الثلاثة كان أحدهما بعمر الزهور، فهو لم يتجاوز الخامسة عشرة أو السادسة عشرة بعد، إلى جانب إثنين آخرين كانا برفقته، يكبرونه عمراً ويزيدونه طولاً..

(أبو الحارث) هي كُنية ذلك الشاب الصغير، الذي ما أن وصل مع زملائه، وأبصر طبيعة التقسيم للقاعة، وتوقف عند (ركن المجاهدين) الذي يتقدمه (أبو عمر) ويكاد يصل لمنتصف القاعة طولاً، حتى جاء ليجلس بجانب (أبو عبدالله)، والذي كنت أتوسط النوم، بدوري، بينه وبين (أبو عمر)، فناديت على الفتى (أبو الحارث) وأنا مندهش من صغر سنه، وطبيعة شخصيته، حتى بدى لي إنه هو من يقود الشابين الآخرين، اللذان يفوقانه ببضعة سنين..

أرجعت جسدي وأحنيت رأسي قليلاً إلى الوراء لأكلم ذلك المجاهد الصغير، من خلف ظهر (أبو عبدالله)، الذي كان يجلس متلزماً الصمت، فقلت له:

من أي قاطع جئت وأصحابك، حياكم الله !؟

وكنت أظن أنه من أحد قواطع ولاية نينوى، ما جعلني أذكر اسم قاطع، وليس ولاية، خصوصاً أن هذه المحكمة مختصة بالنظر في قضايا ولاية نينوى حصراً، إذ إن لكل ولاية قضاتها ومحكمتها..

ردّ عليّ بالقول: من الشام!

فأستغربت لرده، واستغرب معي (أبو عبدالله)، وهو ما جعل (أبو عمر)، هو الآخر، ينتبه للسؤال، وللجواب..!

فنهضت من فوري، واجتزت عقبة (أبو عبدالله)، وشاركت (أبو حارث) الجلوس، وبدأت الأسئلة، كالمعتاد تنهال عليه، وهو يرد بخجل تارة، دون أن الحظ أي من علامات الندم بادية على محياه، أو على تقاسيم وجهه!!

الشاب الصغير المجاهد (أبو الحارث)، ورفيقاه، وجدوا أن قاطعهم في الشام في ذلك الوقت، يلتزم المرابطة فقط، دون أن يشهد معارك ساخنة، كالتي كانوا يشاهدون لهيبها في الموصل، والتي يزداد أوارها مع الأيام، سواء مع البيشمركة وملاحدة البككا، أو مع غيرها من مليشيات النصارى والرافضة المتحالفة معهم، فما كان من الشباب الثلاثة إلا أن يقرروا التوجه إلى الموصل للإشتراك في المعارك الجارية هناك، وهذا والله قمة الإندفاع الجهادي، فالرغبة في الإثخان في العدو حاضرة عند كل مجاهد، بغض النظر عن عمره، أو موقعه، أو منصبه، لكن هؤلاء الشبان الثلاثة ينتمون إلى جيش، وكل فرد في هذا الجيش له دوره، وله مكانه، وله ثغره، وإن جرى تقسيم الأدوار بناءاً على رغبات كل مجاهد، فلن يحوز جيش الخلافة النصر، فإلتزام الأوامر والمرابطة على الثغور في القواطع، سواء الملتهبة منها أو الخامدة، هو سر النصر، بعد توفيق الله وتسديده الرمي، وهو ما جعل هؤلاء الفتية الثلاثة تحت طائلة الحجز، وربما العقوبة الجسيمة..!

القصص الغريبة والحكايات العجيبة للمجاهدين لا تنتهي عند هذا الحد في هذا السجن، الذي اطلعت على بعض جوانبه وأسراره، فهذا (أبو نعيمة)، الذي ينتسب إلى قاطع (الگيارة) جنوب الموصل، والذي سرد لي بطولات، لو لم اسمعها بنفسي من مجاهد، لما صدقت أحداثها، وما كان يؤكدها لي أنها ذات المعلومات التي كنت أحصل عليها من المجاهد الثاني (أبو صفية العفري)، الذي ينتسب لمدينة (تلعفر)، والذي زُج به في السجن نتيجة مخالفة له في عدد أيام الإجازة الدورية..!




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطالب تاج
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
ابوطالب تاج


الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) Empty
مُساهمةموضوع: رد: الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)   الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) I_icon_minitime19/4/2018, 6:34 pm


تحدث لي (أبو نعيمة) عن معجزات إلهية أثناء عمليات تحرير مدن (مخمور) و(الكوير) التي شارك فيها، والتي تتبادل الدولة الإسلامية والبيشمركة الكردية عمليات السيطرة عليها، حتى أن بعض المدن تم تحريرها بالرعب، وبعضها الآخر، بآليتي همر، وسيارة (دوسرية) فقط، لكن (أبو نعيمة) طلب مني عدم الحديث عن تفاصيل ما أخبرني به، خصوصاً وأن التهمة التي هو بسببها هنا هي (إفشاء الأسرار الجهادية)، فقلت له وأنا اُمازحه حين طلب مني ذلك:

إطمئنن، سرك في مقهى!

فردّ عليّ: يبدو إنني لا أتعظ، والمصيبة إني استودعتها صحفياً!!

نافلة قيام الليل، صلاة كان يحرص أن يؤديها مجموعة من المعتقلين بشكل جماعي، فيقوم أحدهم بقراءة القرآن همساً، حتى لا يوقظوا النائمين، ويستمروا في صلاتهم حتى إقتراب موعد آذان الفجر، لينتهوا بدعاء ودموع وبكاء، ليبدأوا بعدها في إيقاظ كافة المصلين، الذين يتسابقوا إلى أماكن الوضوء قبل التزاحم، إستعداداً لصلاة الفجر، فيما يقوم فريق آخر برفع الأفرشة والأغطية من وسط القاعة، وتفرش بعد ذلك سجادات من النايلون، كبيرة الحجم، يتم إعادة لفها ودرجها لتوضع بجانب الباب، بعد إنقضاء الصلاة، كونها خاصة بهذه المهمة حصراً، فيما يتم فرش البطانيات والشراشف في المساحات المتبقية، وكان الحال، كالعادة، لا يوجد من هو متخلف عن الصلاة، مهما كانت جريمته أو تهمته!

نافلة أخرى كان كثير من المعتقلين والسجناء والمحجوزين يحرصون على تأديتها، ألا وهي صيام الإثنين والخميس، فضلاً عن الأيام البيض، فيما يتجاوز بعضهم إلى صيام كل الأيام، ما خلا السبت.. أما إدارة السجن فكانت تحرص على أن يكون للصائمين طعام خاص، حيث يتم أخذ أعداد الصائمين منذ الصباح، في كل يوم، ليتم تجهيز طعام الإفطار لهم عند آذان المغرب.. فيما كان بعض المعتقلين يتسابق أيهم يُفطّر الصائمين أولاً، وكان من بينهم رجل في عقده الرابع، مصاب بقدمه برصاصة، وكان دائم العرض على طبيب السجن لعلاج قدمه، وتغيير ضمادها، والذي لم اسأل، أول الأمر، عن تهمته، لكن وحينما جاءني يوماً وهو يحمل بيده طبقاً من فصوص البرتقال، بعد تقشيره، على أمل أن تكون بديلة للتمر عند الإفطار، توجهت إلى (أبو عبدالله) وسألته عن تهمة هذا الذي يريد أن يحصل على أجر كل صائم، من دون أن ينقص من أجورهم شيء، فأكد لي أن هذا الشخص، المدعو (لؤي)، متهم بخطف وبيع الأطفال!

وبلا إرادة، ودون شعور، ألقيت بفصوص البرتقال من يدي، ورميتها على الأرض، في ردة فعل مفاجئة مني، أنا نفسي لم أكن أتوقعها، حتى إنني تمنيت أن هذه الرصاصة التي جاءت في قدمه، بعد مطاردة شرطة الدولة الإسلامية له، لو إنها استقرت في رأسه!

والحق أقول إنني عجزت عن هضم تهمته، أو تقبل أي شيء منه، فكنت أنظر إليه وكإنه خطف طفلي من بين أحضاني، وباعه لغيري، رغم أن حاله اليوم يشير إلى توبته وصلاحه، فالقرآن لا يفارق يديه، ويكاد يقضي أغلب وقته في الصلاة!

أربعة أشخاص فوجئت بوجودهم في الصباح، ولا أدري متى دخلوا إلى سجننا، سألت (أبو عمر) عن هويتهم ونحن نستيقظ في الصباح، فأكد لي إنهم وصلوا في وقت متأخر من الليل، لكنه لا يدري بعد ما هي تهمتهم، قائلاً لي، وهو يبتسم:

هذه مهمتك، وأنت أهل لها.. ثم نهض متجهاً إلى الحمام ليغسل وجهه بعد نومة ليست بطويلة تعقب صلاة الفجر!

لم أفزع وأتجه إليهم مباشرة، كعادتي، ربما لإني وجدت في تلك الوجوه الكالحة ما يجعلني أتردد، فقد كانوا يكثرون من الضحك فيما بينهم، وتارة من الهمس، فعرفت أن ورائهم أمراً لا يسر، خصوصاً أن ملابسهم التي يرتدونها تتحدث بالنيابة عن هويتهم..

تأنيت قليلاً في التوجه إليهم، فأمامنا الفطور، وما بعده نهار طويل، يكفي لسرد قصص ألف ليلة وليلة، لكن وقبيل الظهر نادى عليهم الحارس، طالباً منهم الإستعداد والتجهز، وهو ما جعلني أنهض من فوري وأتجه إليهم، لعلي أحظى بمعرفة تهمهم قبل المغادرة، فوجدتهم يتهربون مني، ومن الإجابة، وهنا قال لي أحد السجناء، وكان ينظر إليهم بإحتقار:

(تعال أخونة، حكايتهم عندي)!

فأطمئنت نفسي إنهم لن (يفلتوا) من معرفتي بفعلتهم، ولن يخيب ظن فضولي بي، بعدما سخّر الله لي من يُعرّفني بتهمتهم، وقبل أن يخرجوا، وفي غضون دقائق، كانت كل تفاصيلهم المخزية عندي، عن طريق شخص كان يجاورهم في المنام، وتمكن من معرفة القصة من أولها إلى آخرها، كيف، ومتى، وأين، لا أدري!

عدت إلى (أبو عمر)، وأنا أحث الخُطى، بعدما رمقتهم بنظرات، فهموا من خلالها إنني تمنيت لو إنني من ينفذ فيهم النحر، إن كان هذا حكمهم، ما جعل (أبو عمر)، يتمنى ذات الشيء حينما أخبرته بالقصة..!

أما القصة فإنها، بإختصار، أن هذه الشلة، كانوا في زمن ما قبل فتح الموصل وتحريرها يمارسون مهنة الدعارة والدياثة لمصلحة القوات الشيعية الرافضية، التي كانت تحرص على نشر العهر والدعارة في كل ركن وشارع، وإنهم وعائلاتهم جيء بهم من مدينة تلعفر، التي كانت تقطنها عائلات شيعية رافضية كثيرة، ليصبحوا زبائن جنس ودعارة للقوات الأمنية الشيعية، متخفين داخل المجتمع الموصلي، منكرين أصلهم الخسيس، خصوصاً أن المجتمع الموصلّي بات خليطاً غير متجانس وغير متعارف بعد الاحتلال الأميركي وأثناء السيطرة (الشيعية – الكردية) على كل مفاصل الحياة في نينوى، وعموم العراق!

لم يتدخل الحراس هذه المرة ليضعوا عصابة الأعين على عيونهم، بل جاءت قوة خاصة، رجالها يرتدون الزي الأسود، ومدججين بالسلاح، أجسادهم ضخمة، زادتها تجهيزاتهم التي يرتدونها ضخامة، حتى أن السجين المذنب ليرتعد من هيأتهم خوفاً، مع أن أمثالي، ممن لا تهمة لهم، لا ينبغي إلا أن يزداد، بمنظرهم وهيأتهم، عزةً وزهواً وسروراً، لكني لن أخفي عليكم ما أصابني، وأنا أرى تلك العيون من خلف اللثام، وهي تقتاد أولئك (القوّادين) الأربعة إلى حيث لا أدري، فلقد أخذوهم من هذه القاعة، ولا أعلم إلى أين، أو ما سيكون عليه مصيرهم، وأترك لكم التّخمين!

في أحد أيام ذلك السجن إقترب مني أحد المعتقلين، فسألني إن كنت الصحافي (حسين المعاضيدي) بنفسه أم لا.. ثم راح يؤكد إنه سمع باسمي ومهنتي عبر بقية المعتقلين..!

سألته، قبل أن أجيبه، عن هويته أولاً واسمه قبل تهمته، فأكد لي أنه يعمل صحفياً حاله، حالي، وقبل أن يذكر لي اسمه، أدركت أنه شقيق ذلك المصور التلفزيوني لقناة نينوى الغد، وزميله مقدم البرامج، ممن إلتقيتهم في القاعة الثانية، والتي خرجا منها إلى داريهما، فيما تم التحفظ على هذا الصحافي الذي يقف معي الآن، والذي اسمه (محمد إبراهيم) ويعمل مع شبكة (الأسوشيتدبرس)، كمراسل لهم في نينوى، قبل عملية تحرير وفتح الموصل..!

قال لي: أنت زميل لي لمرتين!

لم أفهم معنى قوله، وفهم ذلك من تقطيب حاجباي، فأستدرك موضحاً:

أنت زميل لي في الصحافة، وبذات الوقت زميل لي في شبكة (الآسوشيتدبرس)!

سألته عن كيفية معرفته إنني كنت مراسلاً لشبكة (الآسوشيتدبرسس) في غرب العراق، أول سنوات الاحتلال، يوم كنت اُزودهم بالكثير من العمليات المسلحة النوعية التي كانت تستهدف قوات الاحتلال الأميركي والجيش الشيعي على يد الفصائل الجهادية آنذاك!




فأكد لي إنه كان يسمع بي عن طريق مكتب بغداد، الذي كان يتردد عليه طيلة فترة عمله معهم..

سألته ايضاًعن تهمته، فأشار إلى إنه وبعد الفتح جلس في بيته ولم يعمل مع تلك الشبكة التي تخلى عن العمل معها، إلتزاماً بتوجيهات الدولة الإسلامية بمنع التعامل مع كافة الوسائل الإعلامية، ما جعله يعود لمهنته السابقة، ألا وهي الخياطة، بل إنه تخصص الآن في خياطة البدلات الجهادية (القندهارية)، لكنه كما يقول فوجئ بإنه تم إعتقاله بناء على معلومات غير صحيحة، تفيد بإنه كان يراسل الجهات الإعلامية، ويزودهم بما يجري داخل الموصل سراً..!

أكدت له أن شقيقه وصاحبه قد تم الإفراج عنهما، رغم إنهما يحملان نفس الإتهام، فسألته عن سبب إستثنائه من حكم الأفراج، وهو قد جاء معهم بذات القضية، وذات الإتهام، فألتزم الصمت، مبدياً إستغرابه هو الآخر من عدم الإفراج عنه..!

لم يكن ذلك اللقاء التعارفي هو الآول، بل أكثر الرجل من زيارتي والجلوس معي لفترات طويلة، على إعتبار إننا زملاء، ومن صنف واحد، كما يقال، لكني والحق يقال، ورغم فارق السن بيني وبينه، فقد كنت أنتقده بشدة، فهو كان ينظر إلى الإعلام من زاوية قاصرة، فهو يعدّها مهنة لكسب لقمة عيش، لا أكثر، ما جعلني استشيط غضباً، فأخذت اُحدثه عن أهمية الإعلام ودور الكلمة في الإنتصار للحق، لا لتغليب الباطل، وأخذت أتهجم بقسوة على زملائنا، ممن أدمنوا بيع أعراضهم، قبل أقلامهم، بدراهم ودنانير وريالات وتومانات ودولارات بخيسة، فكان يؤيدني في كثير من طرحي..

تعمقت أكثر في الحديث مع زميلي عن سبب إستثنائه من عملية إطلاق السراح التي شملت بقية الإعلاميين، من بينهم شقيقه الأصغر، فلقد كنت أدرك إنه يخفي شيئاً ما، وبعد أيام كشف لي حقيقة التهمة، وسبب تواصل حبسه عكس بقية زملائه، ممن غادروا إلى عائلاتهم، بعد أيام من إعتقالهم، أو ساعات، إذ أكد لي إنه تم العثور في بيته على كيس من الكتب، هي عبارة عن هدايا من رجال دين شيعة، وكتب دينية أخرى، جاءته كهدايا، كذلك، من مؤسسات شيعية كانت تمارس عملية (التبشير) الرافضي الشيعي في مناطق ومدن محافظة نينوى، وراح يؤكد إنه كان يأخذها ويحتفظ بها، دون أن يقرأها، كما يقول..

ومما زاد من سوء وضعه، العثور على العديد من الصور التي تجمعه باللواء الركن، أداة المجوس، (ناصر الغنام)، وصور أخرى له مع شخصيات عسكرية شيعية وكردية، برر إلتقاطها بحكم عمله الإعلامي، الذي يجعله يستقي أخباره من هذه المصادر العسكرية والسياسية، ثم راح يسألني عن توقعي للحكم الذي سيطبق عليه، فما كان مني، وكالعادة إلا أن أطرق على مسامعه أقسى وأسوأ التوقعات.. وأهونها كان توقعي له بقص اللسان!

تواردت الأخبار عن وصول عفو من الخليفة (أبو بكر البغدادي)، فبدأت التكبيرات والشكر لرب العالمين، فيما أجهش البعض بالبكاء، فلو صح الخبر، فإن كثير من هؤلاء المذنبين، خصوصاً المهددين بالقصاص عبرإلقائهم من أعالي العمارات، كمرتكبي فعلة قوم لوط، أو ممن ينتظرون بتر أطرافهم، أو ممن ينتظرون القتل حرابة، وغيرهم، سيكونون، بالتأكيد، كمن ولد من جديد..!

العفو الذي وصل خبره عن طريق معتقلين جدد، سمعوا بعض تفاصيله في قاعة المحكمة، جعلنا نستفسر من الحراس، حول صحة الأمر، لكنهم لم يؤكدوا، ولم ينفوا كذلك، مكتفين بالدعاء لنا بالفرج القريب، لكن قائمة جديدة طلب الحراس من أصحابها الإستعداد للمغادرة إلى القاعة الصغيرة الخاصة بالمحكمة جعلتنا نتأكد أن البشائر الواردة لها أساس من الصحة، خصوصاً أن أعداد السجناء التي تم إذاعة اسمائهم كانت بالعشرات، بل واستمر الحال على هذا المنوال على مدى ما يقرب من الخمسة أيام، حيث تبين أن لجنة قد شكلها الخليفة للنظر في قضايا المدنيين وأمره بحسمها خلال إسبوع واحد فقط، وأن اللجنة المشكلة جاءت من الشام، وتضم عدة قضاة..!

كانت القوائم تتوالى يومياً، وتم استثناء النظر في قضايا المجاهدين، فالألولية كانت للمدنيين والمواطنين العاديين، وهو ما أثر سلباً على نفسية كثير من المجاهدين داخل السجن، فيما تقبلها البعض برحابة صدر، على الأقل باللسان، فيما القلب، يقيناً، يحوي غصة كبرى، خصوصاً أن كثير من هذه الاُسود المقيدة بالسلاسل هنا، جائعة للحم الشيعة وللحم ملاحدة بيشمركة الكرد، الذين أوغلوا في دماء المسلمين!

جاءني الدور في إحدى قوائم العرض على القاضي، فسارعت للإستعداد، كحال غيري، مع تأكدي من العودة إلى هنا، فكل من ذهب عاد إلى هنا، لكن بعضهم تم حسم ملفه بإنتظار إطلاق السراح، وبعضهم نال عقوبة (الجلد)، أو (التعزير)، ثم عاد إلى هنا، منتظراً المغادرة، بعدما تم تنفيذ العقوبة، فاللجنة أرتأت على ما يبدو حسم كافة القضايا، ثم التفرغ لإخلاء سبيل من يتم غلق قضيته أو ينال عقوبته..!

كثير من الأمور كانت خافية عليّ، حتى وصلت إلى القاعة الثانية، فحينما وصلت هناك، وجدت بعض المعتقلين يتألمون ويتوجعون من تأثير السياط على جلودهم، لكنهم كانوا في سعادة غامرة، فالعفو، الذي يتضمن تعطيل بعض الحدود، كما يتحدث عن ذلك السجناء، يشمل من أرتكب الفعل للمرة الأولى، أما من كانت لديه سابقة جرم، وكرر فعلته، فيتم تنفيذ الحد عليه..!

ما شدّ إنتباهي، حال وصولنا إلى تلك القاعة، التي كانت أولى محطاتي في هذا السجن، هو وجود رجل كهل، بلحية بيضاء طويلة، هو من يشرف على الحراس، وهو من يتولى إخراجهم، وكان تعامله مع المعتقلين ينبأ عن طبيعة أخلاق هذا الرجل، كان السجناء ينادونه بـ(الشيخ السوري)، فقد كان من أرض الشام، ولهجته الجميلة توضح ذلك، قبل قسمات وجهه، رغم محاولته الحديث باللغة الفصحى أحياناً!

كان كثير التبسم في وجه السجناء، صارم التعامل مع الحراس..!

تمت المناداة على الوجبة الأولى، حيث يتم سحب كل عشرة سجناء، دفعة واحدة، إلى قاعة المحكمة، ثم سرعان ما يتم سحب مثل عددهم بعد عودتهم والإنتهاء من حسم ملفاتهم.. لكن ما كان يشعر الجميع بالرعب، وأولهم أنا، صوت (الجلد)، و(التعزير)، الذي كان يجري في ذلك الممر الذي يربط قاعة السجناء بقاعة المحكمة، والتي لا تبعد سوى أمتار ليس إلا، حيث كان يتم تنفيذ العقوبة حال الخروج من قاعة المحكمة، فيعود إلينا المعتقل بوجه أحمر ودموع، وظهر يتوجع صاحبه من آثار السياط!

كان صوت السوط يحدد ما إذا كان الحكم جلّداً، أم تعزيراً، فالجلّد كان يرفع الجلاد فيه يده إلى الأعلى، فيما يقوم المُعزِّر بوضع مصحف تحت أبطه، وهو يمسك بالسوط، حتى لا ترتفع اليد إلى الأعلى، وهي الطريقة الشرعية في الجلد..!

كانت أصوات من يتم جلدهم تصل أعنان السماء، فيزداد السجناء، ممن لا يزالون بداخل القاعة، رعباً على رعبهم، حتى أن بعضهم اُغمي عليه داخل القاعة، حتى قبل أن يصل إلى القاضي، مع أن الجلّد، أو التعزير كان يتم من فوق القميص، ويتم خلع الملابس الثقيلة، كالمعطف، أو الـ (جاكيت)، أو الـ (قمصلة) فقط..!

حان الدور عليّ، ورغم إنني لم أرتكب جناية، أو جنحة، أو ما يجعل السياط تتراقص على ظهري، صعوداً ونزول، لكني، والحق يقال، كنت أشعر أن أقدامي لا تحملني، فلربما يخطأ القاضي في ملفي، ويقاضيني بتهمة غيري، وربما وربما، وأفكار مجنونة أخرى بدأت تداهمني، قبل الوصول إلى قاعة المحكمة..

حينما جلست على المصطبة الطويلة بإنتظار العرض على القاضي كنت آخر الجالسين، وقد علمت ذلك من أعداد من دخلوا قبلي إلى قاعة المحكمة، وكذلك من خلال كوني آخر من تمت المناداة عليه في تلك الوجبة التي كنت من ضمنها!

جلست على المصطبة، وكانت هناك يد تطلب مني التقرب أكثر، كلما دخل سجين إلى القاضي، فيما كان السياط تنهال من هنا وهناك على ظهور السجناء المذنبين، والتي كنت أشعر بالهواء الذي تحدثه قبل الألم الذي توقعه، حتى إنني كنت أخشى أن يلفحني سوط بالخطأ، فقد كان هناك أكثر من جلاد، وأكثر من مُعزّر، وكان على رأسهم الشيخ السوري الذي يناديه الحراس بـ(الحاج)، والذي تذكرته لاحقاً بعدما رأيت له عشرات الصور، التي تظهره وهو ينفذ عقوبات المحكمة الإسلامية أمام جموع الناس في بعض إصدارات الدولة الإسلامية..!


كان الشيخ السوري، ذو الصوت المميز، والحال نفسه ينطبق على بقية الجلاّدين والمُعزّرين، يطلبون ممن يتم تنفيذ العقوبة بحقهم، أن يذكروا الله، ويُكبّروا، ويوحدوا الخالق، حينما تنهال السياط على الظهور، ليُعينهم الله على تحملها، ثم كانوا يقولون له: تحمل، ففي البداية سيؤلمك، لكن بعدها، بإذن الله، لن تشعر بها..!

كان بعض الجلاّدين والمُعزّرين يتناوبون على الجلّد والتعزير، فالتعب كان بادياً وظاهراً على الجميع، كما أحسست بذلك، خصوصاً أن بعض المجرمين يصل حكمه لسبعمائة جلدة، كذاك الرجل الخمسيني الذي كان يرتدي لباساً رياضياً (تراكسوت) نيلي اللون، وأطال لحيته، حتى أن الناظر إلى هيأته يظن فيه الوقار، دون أن يدري إن كل شعرة في لحيته يجلس تحتها شيطان رجيم!

هذا الرجل، الذي لم أتقرب منه، مكتفياً بمعرفة قصته من (أبو عمر)، ومن بقية المعتقلين، كان سارقاً، يحترف التزوير كمهنة له، فقد باع الكثير من عقارات الناس وأشتراها، عبر تزوير الوثائق والمستمسكات، حتى أوقعت به الشرطة الإسلامية متلبساً بالجرم المشهود، وها هو صوته بجانبي يصل إلى القمر، ويقفز من هناك إلى الكواكب بتأثير السياط التي ينالها، جزاء نصبه وإحتياله على الناس..!

وهذا صوت آخر، أول ما نطق: (يا الله)، وهو يستقبل أول سوط من خمسمائة جلدة تم الحكم فيها عليه، نتيجة إرتكابه فاحشة قوم لوط، والحال نفسه ينطبق على أربعة آخرين كانوا قد دخلوا السجن لذات التهمة، ، في حين تم الحكم على أحدهم، والذي يقترب عمره من الخامسة والعشرين، بالرمي من أعلى شاهق في الموصل، بعدما كان يُجبرُ أحد الصبية، ممن كان بعمر المراهقة، على ممارسة الفاحشة معه، حيث كان يهدده بخطف وسرقة أخواته الصغيرات، وإغتصابهن، إن امتنع عن الخضوع لرغباته الدنئية، ولأن الشاب الصغير كان يتيماً، ومن شدة خوفه على أخواته خضع لنزوات ذاك المنحرف، الذي كان الجميع يحتقره في السجن، حتى وصل الحال مبلغه بالشاب المراهق الصغير، أن لجأ لبعض أصدقائه، كاشفاً لهم عما يتعرض له من إبتزاز، لا أخلاقي، على يد ذلك المجرم، فطلبوا منه مسايرته في المرة القادمة، متوعدين بمهاجمته حينذاك، حينما يبلغهم بالزمان والمكان المعيّنين، ليضعوا حداً لما كان يقوم به، من فعل مخل وفاحش وبذيء، وهو ما حصل بالفعل، حيث وافق الشاب الصغير، الذي كان يتعرض للإبتزاز، إلى الموافقة على طلب ذلك (الشّاذ)، بحسب نصيحة أصدقائه، فهاجموه بعد ذاك، حينما كان يستعد لفعل فاحشة قوم لوط مع صديقهم الصغير، فما كان منه إلا أن أخرج سكيناً، محاولاً أن يطعنهم بها، لكنه وجد أن كثرتهم ستجعل السكين، في نهاية المطاف، تستقر في صدره، ما جعله يسارع إلى الهرب نحو الشارع، ثم لجأ إلى دورية الشرطة الإسلامية التي كانت تتوقف على مسافة ليست بعيدة من المكان الذي هرب إليه، طالباً منهم التدخل لحمايته من مطارديه، ما حدا بالشرطة الإسلامية على القيام بإعتقالهم جميعاً، بضمنهم المشتكي، وضحيته.. وبعد التحقيقات الأولية التي اُجريت، ثم التحفظ على المجرم، الذي إعترف بفعلته، فيما تم الإفراج عن أصدقاء الشاب الصغير (اُسامة)، والذي تّفهم القاضي حاله، وتضحيته بنفسه في سبيل حماية أخواته الصغيرات، فأطلق سراحه هو الآخر، بعدما رافقنا في السجن لعدة أيام!

صاحب اليد، التي تطلب مني التحرك والتقرب بإستمرار من باب المحكمة على تلك المصطبة الخشبية، سألته عن الموضوع، وما الذي يحدث، فقال لي، وهو يُسقيني من ذات كأس الرعب الذي كنت أسقيه لبعض المعتقلين، ممن كانوا يسألوني عن توقعي للحكم الذي سينالونه:

لا شيء يا حاج، فقط جهز ظهرك لخمسمائة جلدة!

شعرت برعب حقيقي، لم أشعر به قبل ذاك الوقت، فسارعت للقول:

(كاتل، بايگ، ناهب)، كما يقال بالعراقي، أي وهل قتلت أحداً أو سرقت شيئاً أو خطفت طفلاً لأنال مثل هذا الحكم!!

فضحك، وعاد ليصلح قوله، بعدما وجد أن لحظات الرعب قد تذهب بي قبل أن أدخل على القاضي، حيث قال:

حجي، أنت قضيتك (هيّنة)، لكن أنتم الصحفيون مشاكلكم كثيرة، ثم أخذ يضحك، معتقداً إنه خفف من حدّة توتري، مع أنه، غفر الله له، زاد طيني بلّة!

قال لي الحارس الذي كان برفقتي:

تفضل يا حاج، وأخلع حذائك من فضلك.. فخلعت ما كنت أنتعل، ثم أمسك بيدي، وأدخلني على قاعة المحكمة، حتى جلست على الكرسي..

كان هناك أكثر من شخص، فقد كان يتحدث جمع من الجالسين بينهم، وحينما دخلت، وما أن استقر جلوسي على الكرسي حتى عم الهدوء!

أطلقت السلام، فردّ أكثر من واحد سلامي، وهو ما يعني أن وجود لجنة، ومجموعة من القضاة، هو أمر صحيح، كما سمعنا..

بقيت صامتاً، وأنا استمع إلى تقليب أوراق، خمنت أن القاضي يقلب في صفحات ملفي..
بعدها بوقت أمتد لقرابة النصف دقيقة من الصمت، أو يزيد بقليل، خاطبني صوت، غير صوت القاضي، أو صوت المحقق اللذين تحدثت إليهما أول وصولي إلى قاعة المحكمة هذه، ورغم القول أن اللجنة من الشام، إلا أن صوت القاضي الذي حادثني كان عراقياً بنبرته، رغم محاولة إستخدامه للغة العربية الفصحى في الحديث..!

قال لي: أنت الصحافي الذي جاء من أوربا..!؟

أجبته: نعم يا شيخ..

ثم أضاف، وأنا أستمع إلى تقليب الأوراق يعود من جديد بين يديه، والذي يرافق زاوية وجهة الصوت التي يأتيني منها صوت القاضي:

للأسف، قضيتك ليست من إختصاصي!

ثم طلب من الحارس أن يعيدني، فشعرت بخيبة أمل كبرى، بعدما أحسست أن الفرج قد إقترب..!

أخرجني الحارس من القاعة، وهو يقول لي، وكإنه على علم بقضيتي، خصوصاً إنه كان يستمع، بالتأكيد، لتفاصيل القضية، سواء في عرضي على القاضي في المرة السابقة،أو في هذه المرة:

لم يبقَ إلا القليل يا حاج، وكل ذلك في ميزان حسناتك إن شاء الله!

أجبته بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله)، مكتفياً بها!

ثم أعادني إلى القاعة، عبر ذلك الممر، الذي كانت تحاصرني فيه السياط من كل جوانبه، فيما صرخات تتعالى أول الجلد، ثم تخفت قليلاً في وسطه وآخره!

سألني بعض المعتقلين، عن قضيتي، ما أن رُفعت العصابة عن عيني، فأجبتهم:

يبدو أن (الشغلة) ستطول.. دون أن أزيد!

وفي المساء، كنا في قافلة طويلة، تم فيها إعادة الجميع إلى القاعة الكبيرة، سواء من حُسمت ملفاتهم، أو ممن عُوقبوا، أو ممن عادوا خالي الوفاض، كحالي أنا!

إستقبلني (أبو عمر) بالترحاب ثانية، وهو يطلب مني الصبر، وأن أنظر إلى حال غيري، كي يهون عليّ حالي، وهو ما كان يحدث بالفعل، فمن يرى ذلك الجلّد، وتلك السياط، يرضى بالتأخير، فمن يرى الموت يرتضي الحُمّى، كما يقال!

بعدها بأيام أرسل القاضي إلى (أبو عمر)، وجلس معه، ورفع الغطاء عن عينيه، كما ذكر لي، وأعتذر له عن هذا الحال، وأكد له إنه لو يسمح له الشرع لكفله هو بنفسه، ولما تركه لحظة هنا، لكنه القضاء وشرع الله.. تفهم (أبو عمر) الحال، فعاد وهو يتأمل خيراً في قادم الأيام كما قال له القاضي..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطالب تاج
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
ابوطالب تاج


الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) Empty
مُساهمةموضوع: رد: الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)   الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) I_icon_minitime19/4/2018, 6:50 pm


وبعد يوم من لقاء القاضي بـ(أبي عمر) أبلغه الحراس بوجود زيارة خاصة له، ظن (أبو عمر)، إنه ربما تم تأمين المال من قبل عائلته، وإنه سيخرج وينال حريته ويعود إلى ساحة جهاده، لكنه، وحينما عاد بعد ما يقرب من الساعة، كانت الإبتسامة قد غابت، ثم سرعان ما عادت، لتختفي من جديد، وهكذا وجه توزعت قسماته بين الإبتسام والفرح، رغم الدموع التي كانت تغرق بها عيناه..!

استقبلته عند الباب، والسؤال المعتاد: بشّر!؟

فقال لي: أبني جاءني زائراً من أرض المعركة، وسيعود إليها الآن!

قلت: ما شاء الله.. وما الأخبار؟!

أجابني: لا أدري ما أقول لك.. البشائر كثيرة، والحزن يتعمق!

إبدأ لي بالبشائر، هداك الله يا (أبا عمر).. هكذا عاجلّته!

فرد عليّ: البشائر أن المجاهدين يصولون في بيجي وتكريت ويجولون، والإنتصارات، بفضل الله تعالى، تثلج الصدر..

وماذا أيضاً يا (أبا عمر)، قل يرحمك الله؟!

فأجابني، بين ضاحك ومتأثر:

أبني!

ما به، قل يا (أبو عمر).. هكذا تساءلت؟!

فرد! عليّ:

اُصيب في المعارك في رأسه، وقد جاءني والضماد يغطي رأسه، لكنه بخير، والحمدلله..

اكتفيت بالقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهو يواصل حديثه معي، قائلاً:

حالي لا يسر، فإبني لا وقت لديه ليتفرغ لجمع مبلغ الدّين، ولا أمل في بيع قطعة الأرض التي أمتلكها نتيجة طبيعة الوضع في مدينة بيجي، حيث قطعة أرضي هناك!

سألته عن أخبار أبنه الثاني الذي يجاهد في قاطع آخر، فأكد لي أن لا معلومات لأبنه الذي زاره عن أخيه، ثم قال، وبكل هدوء، وثقة بالله:

إن كان لا يزال حياً فليبارك الله في جهاده، وإن كان قد قُتل، فاسأل الله أن يتقبله، ويتقبل جهاده!

خجلت من نفسي، فيالعظمة الأيمان بالله المكتنز في صدر هذا الرجل، وعجبت لهذا الصدق مع الله، ولهذا الثبات والصبر، حتى إنني بكيت وأنا استمع له، ولا أعرف إن كان بكائي خجلاً من نفسي، أم رحمة على حال هذا المجاهد، الراضي بقدره، والثابت كجبل أحد في سجنه، رغم كم ما فيه!

كانت هناك مجموعتان من الحراس يتناوبون على الحراسة وعلى إدارة شؤون السجن، لم نكن نعرفهم بإسمائهم، بإستثناء عددٍ قليلٍ جداً، كالمسؤول الأول (أبو أحمد) الذي كان غالبية المعتقلين، إن لم يكن جميعهم يعانون من شدته وحزمه معهم، في حين كان الآخرين يتعاملون مع الجميع وكإنهم إخوة لهم، رغم إن بين السجناء الكثير من المجرمين والفاسقين والمذنبين، لكنهم كانوا يتعاملون مع الجميع على إنهم أمانة لديهم حتى حين!

(أبو أحمد)، كان يطبق التعليمات بحذافيرها بحق المعتقلين، وكما هو متعارف، أن القانون حينما يُطبق، مهما كان شكله، دون أن يكون فيه حيزاً للإنسانية، فإنه يصبح حينذاك كابوساً، لا قانون، مهما علت درجة عدله، فالله سبحانه وتعالى، ذو الآلهي، لن يحاسبنا يوم القيامة بعدله، بل برحمته، وإلا فلن يدخل أحد منا جنانه أبداً، بل وسنكون على بُعد ملايين السنين الضوئية منها!

كانت لدى (أبو أحمد) كذلك، إضافة إلى تطبيقه الحازم للقانون، بعض المخالفات، فهو، مثلاً، يرفض ويرد طلبات المعتقلين الراغبين بالحصول على العلاج في غير وقته، مشترطاً أن يكون ذلك في وقت زيارة الطبيب حصراً، والتي تكون ليلية فقط، فيما عدا الحالات الطارئة، ويهدد كذلك بحلاقة شعر جميع المعتقلين، وفي ذلك مخالفة للأوامر، التي لا تجيز حلاقة الشعر لمن ليست لديه تهمة قد ثبتت عليه، وهو يطلب من الجميع الإستيقاظ في الوقت المحدد للإستيقاظ، ولا استثناءات في ذلك، ككبار السن، الذين عادة ما يتم معاملتهم معاملة خاصة، مهما كانت طبيعة قضاياهم، بحكم السن، فضلاً عن عدم السماح لأي شخص بالدخول إلى المحاجر، التي كان كثير من المعتقلين يتسابقون إليها بحثاً عن الهدوء التام والنوم العميق، وأحيانا ممارسة بعض الألعاب، كلعبة (المحيبس) الشهيرة، التي كان المعتقلون يمارسونها في داخل القاعة، وبأعداد كبيرة، حيث تنقسم القاعة إلى فريقين ليتنافسوا أيهم يفوز بالخاتم (المحبس)، وهو ما كان (أبو أحمد) يعترض عليه، خصوصاً إنه يجري في وقت من المفترض فيه أن يبدأ وقت النوم.. بإختصار، كان السجناء يشعرون أن مسؤول الحرس (أبو أحمد) يتعامل معهم، وكإنه يسقيهم ويطعمهم من بيته، لا بأموال الدولة الإسلامية، ويرد بإسلوب جاف على كل من يسأله عن شيء، أو يطلب منه إستيضاح، أو طلب شيءٍ ما من طلبات المعتقلين التي لا تنتهي، حتى أن (أبو عبدالله) كان حانقاً عليه بشدة، لإنه كان لا يستجيب لطلبات وإحتياجات السجناء، التي غالباً ما تمر من خلاله، بإعتباره مسؤول القاعة الإداري، وكونه حلقة الربط بين السجناء والحراس، بتفويض من (أبو عمر)، الذي إلتزم الصمت حيال هذا الأمر، متخوفاً من إنفجاره بوجهه، كما يقول، فيحصل ما لا يحمد عقباه!

كان بعض المعتقلين، إن لم يكن جُلّهم، يشعرون بالراحة، حينما تنتهي وجبة الحراسة، التي يديرها (أبو أحمد)، رغم أن بقية الحراس ممن كانوا تحت إمرته لم يرَ منهم السجناء إلا كل تعاون وطيب محيا، لكن مجرد ذهاب (أبو أحمد) كان يزيل التوتر الذي يخيم على السجناء طيلة اليومين اللذين يتولى فيهما إدارة السجن بالتناوب مع مسؤول الحرس الثاني، الذي كنا نناديه بـ(الحجي) فقط، دون أن نعرف اسمه، لكن المعتقلين كانوا يشعرون إنه واحداً منهم، بلسانه الطيب الذكر، واُسلوبه الحسن في التعامل مع الجميع..!

هذا الحال أوصل المعتقلين إلى حافة الإنفجار، فقرروا في صباح ذات يوم إعلان إضراب جماعي، ورفض تناول الطعام، ورفض الوصول إلى الباب، لا من من قبل مسؤول القاعة الإداري (أبو عبدالله)، ولا من قبل بقية المعتقلين، وتم إعادة طعام الفطور، المكون من البيض المسلوق، والجبن، والخبز، والطحينية، أو الراشي، وأباريق الشاي الكبيرة الحجم، إلى الحراس، الذين سرعان ما نادوا على (أبو أحمد)، وأبلغوه بالأمر، وحينما سأل عن السبب لم يكلف أحد نفسه بالإجابة أو الرد عليه، فالإضراب ارتفع مستواه ليشمل مقاطعة تامة للحراس، حتى بالكلام، ولم يجد الحراس آذاناً صاغية، من السجناء للرد عليهم، فترك الحراس الطعام المعاد بجانب الباب داخل القاعة، عسى ولعل أن يتراجع السجناء عن موقفهم، أو هذا ما تأمله الحراس ربما..!

ظن الحراس أن المشكلة ستنتهي مع وصول الغداء، أو مع تصاعد وتيرة زقزقة عصافير البطن حينما يفتك بها جوع النهار، لكن السجناء أصرّوا أن يستمر الإضراب والتمسك بموقفهم، ويستمروا في المقاطعة التامة، لكن ما هي طلباتهم، وما الغاية، وما الهدف من هذا الإضراب، وعلام هذا الإحتجاج، لا أحد يدري من الحراس، فلا أحد يجيبهم على أسئلتهم أو إستفساراتهم..!

جاء موعد الغداء، وعادت مناسف الرز والبرغل، كما دخلت، بل الأدق إنها رُصفت بجانب طعام الصباح، فتكدست الأواني والمناسف والخبز وأباريق الشاي، واُضيفت إليها سلال البرتقال..!

رفض الجميع الحديث إلى الحراس ومسؤولهم (أبو أحمد)، الذي راح أول الأمر يتوعد بإجراءات أكثر صرامة، وأنه سيطبق قوانين المعتقل بشكل أكثر تشدداً، وهو ما يعني تصاعد حدة الموقف، إذ اعتبر السجناء كلام أمر مفرزة الحراس تهديداً لهم، خصوصاً بعدما أقدم على وصف أحد السجناء المتهمين بالسرقة بـ (اللص)، حينما نادى عليه، ورفض الرد عليه، إلتزاماً بإتفاق الإضراب..!

المعتقلون كانوا مجمعون كافتهم على عدم الحديث إلى أيٍ من هؤلاء الحراس، والمطالبة بالحديث إلى مسؤول كبير، دون أن يتم تحديد شخصية بعينها!

كلما تجاهل الحراس طلبات المعتقلين والسجناء، كلما تأزم الوضع أكثر، وبدأ الوقت يمضي ثقيلاً على السجناء، حتى بدى كسباحة سمكة في صحراء رملية، فهم ينتظرون أن تتم تلبية مطالبهم في الحديث مع أي مسؤول في السجن، أعلى سلطة من آمر مفرزة الحراس، في حين كان الوقت يمر سريعاً على الحراس ومسؤولهم (أبو أحمد)، فإقتراب موعد العشاء، وعودة الطعام دون أن تمسه أيادي المعتقلين، يعني أن الأمور ستتطور أكثر وأكثر، وحينها سيتحمل الحراس نتيجة أي تدهور في وضع المعتقلين الصحي والبدني، وهو ما يعني بالتالي أن الحراس سيكونون في نهاية المطاف بجانب المعتقلين في ذات السجن للقصاص منهم، لعدم إيصالهم صوت المعتقلين إلى من يهمهم الأمر..!

إقترب المغرب، ولا حديث بين المعتقلين، غير حديث الصمود والثبات حتى آخر لحظة، فالمعتقلون يدركون أن الإضراب إن مرّ مرور الكرام وفشل، فهذا يعني إن آمر مفرزة الحرس (سيتفرعن)، كما يقال، ويصبح هاجساً آخر سيعاني منه المعتقلون، إلى جانب معاناة السجن الذي لن نستطيع أن نصفه إلا بـ(السجن)، حتى لو كان قصراً مطلياً من الذهب، ومفروشاً بالحرير، ومما زاد من خشية السجناء، أن آمر الحراس بدأ يضيف أقفالاً إضافية على باب القاعة الكبير، تحسباً من أي تمرد قد يحصل، كما كان يظن!

وفجأة، وإذا بالباب يُفتح، ليدخل منه رجلاً، ظنناه أول الأمر سجيناً جديداً، لولا ذلك اللثام الذي كان يضعه، والذي كان عبارة عن (يشماغ) يعلوه عقال على الرأس..

كان الرجل يرتدي دشداشة (جلابية) بيضاء اللون، وعليها (جاكيت)، وينتعل حذاءاً أسود اللون..

أطلق السلام، فرد الجميع عليه ببرود، فنحن لا نعرف هوية القادم، وهو لم يُعّرف بنفسه بعد، لكنه حينما نادى على الحراس، وأمرهم بالحضور كلهم، وطلب منهم بالإصطفاف إلى جانب الباب، أدركنا أن زائرنا شخصية من الوزن الثقيل، رغم بساطة هيأته وهندامه..!

طلب زائرنا من جميع المعتقلين الجلوس على شكل مربع ناقص ضلع، ليكمل هو بدوره الضلع الرابع، فبدأ أولاً حديثه إلينا بالحمد والثناء على الله، ثم صلى على النبي الأكرم محمد، صلى الله عليه وسلم، ثم تلاها بـ (أما بعد)!
كان أول حديثه، وكإنه يلقي خطبة في مسجد، سرعان ما أنتقل، بعد مقدمتها، في الحديث عن الذل والخنوع والفقر والجوع الذي كان يعانيه المسلمون تحت سيطرة وحكم الشيعة وملاحدة الكرد، والطواغيت، وما كان يريده اليهود والصلبان ويتربصوا به لهذه الأمة، حتى ظهرت الدولة الإسلامية، التي تريد تحكيم شرع الله في الأرض، وتعيد للمسلمين عزّهم ومجدهم وكرامتهم المفقودة، وتنتصر لكل من عانى ويعاني من الحكم الطاغوتي والشيعي والعلماني، وكيف أن هدفها الأول والأخير هو المسلم نفسه.. ثم راح الرجل يُبشر بما ينتظر هذه الأمة من خير عميم وفتوحات ربانية ستعيد لكل مسلم حقه المغتصب..!

ثم توقف قليلاً، ثم عاد ليكمل:
لقد اُبلغت بإن المعتقلين قد عملوا إضراباً، ولقد ساءني ذلك والله، فأنتم تنظرون كيف إننا نعمل الليل والنهار، ونُسابق الوقت والزمن، حتى في أيام العطل، كي ننهي قضايا المعتقلين بأسرع ما يكون..!

ثم أردف:

أو تظنون إننا سعداء بوجودكم هنا، كلا والله، إننا لنتـألم، حتى على حال العاصي والمذنب منكم، ونسأل الله أن يصلحنا وإياكم..

والله يا إخوة، يضيف المتحدث، إننا لنعاني من وجودكم هنا أشد من معاناتكم أنتم، فأنتم أمانة ثقيلة في رقابنا، في رقبتي، وفي رقبة هؤلاء الحراس، بل وفي رقبة الخليفة نفسه، والله إننا سُنُسأل عنكم يوم القيامة واحداً واحداً، وإن الخليفة، والله، لا يكف عن التوصية بالسجناء، وتوفير كافة متطلباتهم المعيشية داخل السجون، والعدل والإنصاف معهم، إنه يشعر بمعاناتكم، وكذلك نحن، وما التأخير الذي يحصل في بعض القضايا إلا من حرصنا على دمائكم، وحتى لا يتعرض أحد منكم للظلم، وترون إننا، وفي غضون يومين أو ثلاثة، قد حسمنا ما يقرب من المائتي قضية، ويشهد الله علينا إن إخوتكم في دولة الخلافة الإسلامية يتمنون لو أن كل واحد منكم يغادر الآن من هذا المكان، فتحملوا أيها الإخوة..!

كنت استمع وأتأمل الصوت، فالصوت أعرفه، وهذه النبرة، حفظتها عن ظهر قلب، نعم إنه صوت القاضي، الذي تحدث إليّ في قاعة المحكمة.. الآن تيقنت بعد هذه الخطبة!

إنتهى القاضي من الحديث، ثم طلب أن يستوضح عن المشكلة، وعن طلبات المعتقلين وعن أسباب هذه الإضراب..

تنفّس المعتقلون الصُّعداء، فكلمات القاضي كانت مُطمئنة للكثير منهم، فطلب منهم ترشيح من يتحدث نيابة عنهم بالطلبات وأسباب هذا الإضراب..

أجمع الكل على ترشيح (أبو عمر) و(أبو عبدالله) للحديث باسمهم، فتحدث أولاً (أبو عبدالله)، الذي لم يتطرق إلى قضيته الشخصية، أو لأي شيء آخر يخصه، رغم أنه كان يتمنى لقاء القاضي، كما أعرف، ليشكو إليه ما يتعرض إليه من ظلم وإجحاف، فقال (أبو عبدالله):

يا شيخ، سأتحدث، وإن قلت شيئاً غير صحيح، أو غير دقيق، فليرد عليّ أحد من المعتقلين أو من الحراس أنفسهم..

ما يحدث أيها الشيخ أن مسؤول الحرس (أبو أحمد) لا يتقِ الله فينا، ويعاملنا وكإننا نعمل في مزرعته، بل وكإنه يطعمنا من بيته، بل إنه جعل من نفسه قاضياً، فتجاوز حدود عمله ووصف أحد السجناء باللص، ويتعامل مع جميع المعتقلين بتعالي وجفاء، وهو يمثل واجهة للمجاهدين، وواجهة للدولة الإسلامية في نظر المعتقلين..!

كان (أبو أحمد)، يقف بجانب القاضي، حين بدأ الحديث عنه، لكنه سرعان ما خرج ووقف خارجاً، وذلك كي يتحدث المعتقلون بلا قيود، ودون أية ضغوطات من وجوده، لكن (أبو عبدالله) كان يردد إنه يتمنى أن يكون الحديث أمام (أبو أحمد)، حتى لا يعتبر ذلك طعناً فيه، وحتى يكون الكلام أمامه وجهاً لوجه..!

إلتفت القاضي إلى من هم في جواره من الحراس، فقال:
من هو (أبو أحمد)، فأكدوا له إنه أمير مفرزة الحراس على السجن..!

ثم عاد القاضي ليلتفت إلينا، متسائلاً:

من يؤيد كلام الأخ المتحدث، فرفع الجميع أيديهم كدلالة على دعم قول (أبو عبدالله)، وأضافوا عليها بالكلام:

كل ما قاله صحيح!

وهنا علا صوت من بين المعتقلين، قائلاً:

يا شيخ، هل تسمح لي بالحديث؟!

فردّ عليه القاضي:

تفضل وتحدث بما تريد!

قال المعتقل، وكان هو نفسه الذي وصفه أبو أحمد بـ (اللص):
يا شيخ، نعم والله لقد إرتكبت ذنباً ومعصية، وقد أعلنت توبتي أمام الله، وسأتحمل ما يتم الحكم به عليّ، سواء أكان قطع يد، أو حتى قتل، لكن يا شيخ، والله لقد آذاني قوله ذلك بحقي، وحتى القاضي لا يعاملنا بهذه الطريقة!

كان هذا الشخص يتحدث دون أن يدري، على ما يبدو، أن من يتحدث إليه إنما هو القاضي، فبعض السجناء لم يعرضوا بعد على هذا القاضي، وبعضهم تم عرضه على القاضي الذي سبقه، عكسي أنا الذي قابلت قاضيين إثنين..

وهنا قال القاضي، مخاطباً الجميع:

من اليوم، بإذن الله، لن تروا ولن تسمعوا بـ (أبو أحمد) ثانية، ومن يتجاوز على معتقل، حتى لو كان مذنباً، إنما يتجاوز على الخليفة نفسه، ولن نسمح بأن يتم التعامل بهذه الطريقة مع إخواننا حتى لو إرتكبوا فعلاً، فما هم هنا إلا للتكفير عما ارتكبوه!

كان يتحدث مخاطباً الحراس، الذين أصطفوا كالأقلام أمام كلماته المدوية..

ثم ألتفت إلى (أبو عمر)، وقال له:

تحدث أنت كذلك يا أخينا، فقد أوكل إليك الإخوة مهمة الحديث عنهم كذلك!

وقف (أبو عمر)، وقال:

جزاك الله خيراً يا شيخنا على تلبية نداء المعتقلين، ومسارعتك لمواجهتهم بنفسك، دون واسطة..

كان كلام (أبي عمر) يوحي إنه يدرك تماماً هوية هذا الشخص، وأنه القاضي بالفعل، كما خمنت، فهو يعرفه تمام المعرفة، وليس كما أنا، عبر الصوت فقط!

ثم أضاف (أبا عمر):

أن ما تحدث به الإخوة هنا هو حقاً، فالأخ (أبو أحمد)، أصلحه الله، تجاوز بعض الخطوط، ونحن ليس لنا إلا السمع والطاعة، حتى وإن كنا داخل السجن، وإن كان هناك بين هذا الجمع من هو مسيء، فهذا لا يعني أن تتم معاملته معاملة غير إنسانية، أو غير لائقة، فالدولة الإسلامية إنما تطبق شرع الله، وهذا الشرع يجب أن نطبقه على أنفسنا قبل غيرنا..!

ثم أضاف:

هل تعلم يا شيخ، إنني الآن استطيع تشكيل كتيبة جهادية كاملة من هؤلاء السجناء، وأدخل بهم أشرس المعارك، وكلي ثقة فيهم، فحتى المسيئين الان يتمنون أن يكفروا عن سيئاتهم وعن أخطائهم عبر الجهاد في سبيل الله، وحينما أقول لك كتيبة، فإنما كتيبة إستشهادية، وأنا مسؤول عن كلامي هذا أمامكم، وقبل ذلك أمام الله، لهذا فلا يجوز أن تتم معاملة السجناء بهذا الشكل، فما السجن إلا لرد الحقوق لأهلها، ولإصلاح المسيئين..!

قال القاضي:

ما شاء الله، والله إن لكلامكم يفرح القلب ويثلجه، وأقول لكم، وليسمع مني الحراس:

كل من يتجرأ ويتعامل مع أي سجين، مهما كانت تهمته، بأي شكل من أشكال الإهانة أو الإساءة، فسيكون عقابه قاسياً عندنا، ولا يلومن إلا نفسه، أياً كان موقعه او منصبه..!

ثم إتجه إلى المعتقلين، وأخذ يخاطبهم هذه المرة:

أيها الإخوة، كل من يُسيء لكم، وبأي شكل من الأشكال، فسيكون تحت طائلة شرع الله، وأي شيء تحتّجون عليه اُطلبوا من الحراس أن يوصلوه لنا، وإن رفضوا فنحن من سيحاسبهم!

تعالت تكبيرات المعتقلين وصيحاتهم، ثم بدأوا في الترديد:

دولة الإسلام باقية.. دولة الإسلام باقية..

حتى ارتجت لها جنبات السجن، بل وأحياء الموصل على ما أظن، من شدة حماسة السجناء والمعتقلين وهم يرددونها وقتذاك!

بعد نشوة الفرح والسعادة الغامرة التي غرق في بحر عذوبتها السجناء، نتيجة موقف القاضي الإيجابي، وإنتصافه لهم من الحراس، وتهديد كل من يمس لهم شعرة، رغم إن كثير منهم بلا شعر رأس، عاد القاضي ليطلب منهم المزيد.. فقد أخذ يطلب كل من لديه مشكلة أو إعتراض أو ملاحظة، مهما كانت أن يخاطبه الآن بشكل مباشر!

فبدأ ينصت للمعتقلين واحداً واحداً بتأني، وهو يمسك بورقة وقلم، مدوّناً الملاحظات أثناء إستماعه إليهم، فكان لا يقاطهم حتى ينتهي الواحد من حديثه إليه ويفرغ!

ومن أطرف ما حصل حينها، أن أحد المعتقلين رفع القيود، وتجاوز كل الحدود مع القاضي، حتى شعرنا جميعنا بالحرج من طريقة حديثه مع القاضي، الذي إلتزم الصمت حتى أنتهى ذلك السجين من حديثه..

قال ذلك المعتقل:

أيها القاضي، هل تستطيع أن تنكر إنك لم ترتكب سيئة أو ذنباً او معصية طوال حياتك.. ها !؟

ذكرها بهذه الطريقة، ثم صمت بإنتظار أن يرد عليه القاضي، الذي إلتزم الصمت بدوره، دون أن نعرف إن كان غاضباً من طريقة حديث السجين معه، أم إنه كان يبتسم في سره، كحال كثير من المعتقلين على فطرة السؤال لدى ذلك السجين، لكن وحينما طال توقف السجين بإنتظار إجابة لسؤال، لا أحد يعرف إلى أين يريد أن يصل به صاحبه، قال القاضي:

تفضل أخي أكمل حديثك!

فواصل ذلك المعتقل حديثه بالقول:

جلّ من لا يُخطئ، ونحن هنا جاءت بنا ذنوبنا، فعجّلوا بحسم قضايانا وإلا فإننا سنستوقفكم أمام الله!

فردّ القاضي:

هذا من حقكم علينا وعلى محكمة دولة الخلافة الإسلامية، ونحن نعمل على حسم جميع القضايا، بلا إستثناء، بإذن الله تعالى.

رفع (أبو عمر) يده للقاضي، وأشار بذات الوقت إليّ، وكإن، صاحبي (أبا عمر) أدرك خجلي من الحديث إلى القاضي، فلقد تحدثت إليه قبل بضعة أيام، وأجابني بإن الأمر ليس من إختصاصه، لكن، وبعدما إلتفت إليّ القاضي، الذي طلب مني الحديث، استأذنته بالحديث إليه همساً، إذ لم أشأ أن يعلم أحد من بقية المعتقلين لمّ أنا هنا، خصوصاً أن ما في جعبتي لا يمكن البوح به كله أمامهم!

فقال القاضي:

تفضل أخينا هنا!

إتجهت إليه، فسلمت عليه من جديد، ثم قلت له:

أعلم يا شيخ أن قضيتي ليست من إختصاصك، كما ذكرت لي قبل أيام..

وهنا رفع عينه بإتجاهي، بعدما كان يعطيني اُذنه، فما فاجئه ربما إنني حدثته، وكإني أعلم أنه القاضي، خصوصاً إنه لم يقدم لنا هويته حين دخل إلينا، ثم قال لي:

أنت الصحافي، أليس كذلك!؟

رددت عليه بالإيجاب، قبل أن يعيد منحي اُذنه للإستماع من جديد دون أن يعلق على أي تفصيل حتى انتهيت.. فقال لي:

طلبنا بعض المعلومات عنك، وستصلنا قريباً، إن شاء الله تعالى، ولن يطول وجودك هنا، واحتسبها في سبيل الله..

شكرته وغادرته، دون أن يدوّن أي شيء مما تحدثت به إليه، وهو ما أخافني، حقيقةً، أول الأمر، لولا تطمين (أبو عمر) لي بإن ذلك يعني إنه يعرف تماماً بقضيتي، وهو ملمٌ بها، فزادني ذلك إطمئناناً..!

إنتهى القاضي من الإستماع للجميع، وأخذت التكبيرات تتعالى لحظة خروجه، وهو يودعنا، بعدما وعدنا بالخير كل الخير، سواء في حُسن التعامل داخل السجن، أو في سرعة حسم القضايا، فيما إتجه السجناء، بعدما اجتاز القاضي عتبة الباب، إلى الطعام المكدس بجانب الباب مباشرة، من شدة الجوع الذي أصابهم، لينتهي بذلك ذلك الإضراب بـ(نصر) للمعتقلين، إذ استردوا حقوقهم كاملة غير منقوصة، بعدما تدخّل القاضي بنفسه لوضع حدٍ للمشاكل التي كانوا يعانون منها، ومنذ ذلك اليوم لم يرَ أحد بعدها آمر مفرزة الحراس (أبو أحمد)، ولم يعلم أحد ما كان مصيره!

في اليوم التالي كان (أبو عبدالله)، يتحدث لنا، أنا و(أبو عمر)، في ركن القاعة ذاك، عن مزرعة (النجيفيان) للخيول، وكيف أن محافظ نينوى السابق (أثيل النجيفي) كان يقضي وقتاً في مزرعته، مع الخيول، أكثر من الوقت الذي يقضيه في محافظته، وكيف أن (اُسامة النجيفي)، رئيس مجلس النواب السابق، أو كما يسمى إصطلاحاً بـ (مجلس الدواب)، كان يسرق أموال أهل السُنّة والجماعة، ليضيف من خلالها مزيداً من الخيول إلى تلك التي يمتلكها، والتي تجاوزت السبعمائة حصان، بينها ذلك الذي إستعرض به والي الموصل السابق، (أبو ليث)، تقبله الله، في شوارع الموصل بعد الفتح والتحرير، والذي يعتبر أحب الخيول إلى قلب محافظ نينوى المخلوع (أثيل)!



تحدث (أبو عبدالله) عن أن هذه المزرعة تحوي وتضم أفخر أنواع الخيول العربية الأصيلة، وراح يؤكد أن الدولة الإسلامية قد صادرتها وضمتها إلى أموال المسلمين..

وقبل أن يكمل حديثه عن تفاصيل المزرعة، طرق الباب أحد حراس المعتقل، وهو يحمل بيده مجموعة أوراق، طالباً من (أبو عبدالله)، بإعتباره المسؤول الإداري للقاعة، أن يجعل المعتقلين جميعهم في النصف الثاني من القاعة، وهو ما أثار إستغرابنا، إذ لم نكن نعرف الغاية من هذا الأمر، قبل أن يتبين أن وجبة إطلاق سراح كبيرة ستغادرنا، وهو ما علمه (أبو عبدالله) من الحراس، فراحت البشائر تهل، والتكبيرات تتعالى، بعدما كان كل معتقل يُؤمّل نفسه أن يكون من بين المفرج عنهم، ومن بينهم بالتأكيد أنا، مع علمي أن وقت مغادرتي لهذا المكان لم يحن بعد، فلقد كنت أرجح لقاء القاضي قبل أن يحدث ذلك!

كان عدد المعتقلين، حينها، يقترب من المائتين، بعد عمليات خروج ودخول متباينة بشكل شبه يومي..!

بدأ أحد الحراس ينادي على اسماء المفرج عنهم، فلاحظت أن جميع من تم إذاعة اسمائهم، إما ممن تم جلّده، أو تعزّيره، أو ممن حُسم ملفه، ما يعني أن هذه القائمة إنما هي قائمة إفراج بالفعل، وليس نقل إلى القاعة الصغيرة الخاصة بالمحكمة..

كان السجناء يحتضنون كل من تتم إذاعة اسمه، ويأخذون في تهنئته، فيما تبقى كل اُذن تترقب أن يكون اسم صاحبها هو التالي..!

نادى الحارس اسم (أبو عبدالله)، فضجّت القاعة بالتكبيرات، بشكل عنيف، لم نألفه من قبل، وكإن كل معتقل يرى نفسه هو من تم إطلاق سراحه، فراح (أبو عبدالله) يقفز في الهواء تارة، وتارة يَخرُّ على الأرض ساجداً لله شكراً..

أخذ (أبوعبدالله) يُقبّل جميع المعتقلين واحداً واحداً، وحينما وصل إلى (أبو عمر) إنفجر الإثنان بكياً، فلقد عاشا سوية هنا لفترة طويلة، أحدهما يخفف ويهوّن على الثاني مصيبته، متعاهدين على اللقاء، خارج جدران هذا المكان، فيما أقسم عليّ (أبو عبدالله) كذلك أن ازوره في بيته بعد الخروج، فوعدته بالزيارة، وبالكتابة عنه يوماً!

بقينا ما يقرب المائة معتقل وسجين في هذه القاعة، التي باتت شبه فارغة، ورحنا أنا و(أبو عمر) أحدنا يواسي الآخر ويُصبّره، ونسلي بعضنا بالقصص، فيما كنت استغل لحظات نوم (أبي عمر)، أو أوقات إنشغاله بتعليم بعض السجناء لبعض أمور دينهم، بالتنقل بين هذه المجموعة وتلك، بحثاً عن صيدٍ جديد، أو قصة لم اسمعها من قبل، أو حكاية جريمة يسيل لها لعاب أي صحفي!

مرت الآيام ثقيلة بعد عملية إطلاق السراح تلك، بعدما شعر كل من بقي هنا بخيبة أمل، أولهم أنا، حتى فوجئنا بوصول وجبة جديدة من المعتقلين والسجناء، وصل عددهم قرابة الثلاثين معتقلاً، بينهم عدد كبير من المجاهدين، بدلالة ملابسهم (القندهارية) وشعر بعضهم الطويل..!

دخلوا أولاً إلى المغاسل، ليضعوا أحذيتهم هناك أولاً، ثم اغتسلوا، وراح كل واحد منهم يبحث له عن مكان ومجموعة ينتمي إليها، وكالعادة كان المجاهدون يكملون الصف الذي يبتدأ بـ(أبي عمر) ليصل إلى منتصف القاعة..

كان السؤال، كالعادة، لمن تكون هيأته جهادية:

أنت من الإخوة؟! ثم، تفضل مكانك هنا، ليبدأ الشطر الثاني من الأسئلة: (أين، ومتى، وكيف، وما السبب، ولماذا)!

إثنان من الداخلين أثارا انتباهي، فقد كانا يختلفان عن غيرهما من الداخلين، فغبار المعارك لا يزال على ملبسهما الجهادي، ثم أن (أبا عمر) استقبلهما بحفاوة، فتبين إنه يعرفهما عز المعرفة، أو على الأقل أحدهما، حيث طلب منهما أن يكونا من ضمن مجموعتنا، ليصبحا مكانهما الجديد بجانبي، حيث كنت ملاصقاً لـ(أبي عمر)، ثم ضيفنا الجديد، (أبا عبدالله)، ثم الضيف الآخر، (أبو عمر)..

ضحكت بدوري بعد الترحيب بهما، فحينما أخذ (أبو عمر)، يعرفني بالضيوف الجدد، ذكر أن كنية أحدهما (أبو عبدالله)، وكُنية الثاني (أبو عمر)، فقلت ممازحاً (أبو عمر):

خرج (أبو عبدالله) فاكرمنا الله بـ(أبي عبدالله) جديد، وبات لدينا بدل (أبو عمر) واحد، إثنان!

فضحكنا جميعنا على هذه المفارقة..

إلتفت إليّ (أبو عمر)، وقال لي:
الشيخ (أبو عبدالله) من قُدامى المجاهدين، وله صولات وجولات..!

قلت بدوري:

ماشاء الله، ثم رحبت به من جديد..

وقبل أن يشير إلى الضيف الثاني، ادرك أبو (عبدالله) أن (أبو عمر) القديم، لا يعرف عن (أبي عمر) الجديد شيئاً، فتطوع هو ليعرفنا به، حيث قال:

أخونا (أبو عمر) تم إعتقاله بالغلط، وقد يخرج اليوم أو غداً!

ثم رد (أبو عمر الجديد):

لن أخرج، بإذن الله!

قالها مع إبتسامة، ضحك لها (أبو عبدالله) و(أبو عمر)، قبل أن يطلبا منه أن يتقِ الله، فرد عليهما، لا أريد أن أخرج قبل أن أرى كل هذه الوجوه في هذه القاعة خارج السجن، ففهما منه مغزى الدعاء على نفسه..

ثم التفت صاحبي (أبو عمر) إلى (أبو عبدالله)، وسأله إن كان يعرف اسمي، بنية التعريف بي، وتقديمي إليهما، فحاول أن يستذكر، فقال:

والله لا أتذكر!

فردّ عليه (أبو عمر) بالقول:

حسين المعاضيدي صحافي، وهو كاتب المجاهدين، وهذا هو، مشيراً إليّ..

فرحب بي الإثنان، ترحيباً طيباً، لكني تيقنت إنهما لم يسمعا بي، فأنا على يقين أن المجاهد في سوح الوغى ليس لديه الوقت ليسمع أو يقرأ أو يتابع، إلا ما ندر..!

وقبل أن نبدأ في أحاديثنا، والإستماع إلى قصص بعضنا، شرعنا في التعرف على أسباب الوصول إلى هنا، كما هو الحال دائماً، فمن معرفة التهم يكون المدخل لكل حكاية وقصة!

لم يتحدث (أبو عبدالله) بالكثير، فكل ما قاله، أن القاضي أرسل إليه إلى الشام، طالباً منه المثول أمامه، ودون أن يسأل عن السبب لبى الطلب في الحال، رغم شراسة المعارك حيث كان!

زاد (أبو عمر) قليلاً فسأله عن السبب برأيه، فأكد له ربما إنه بسبب سوء تفاهم قد حصل بينه وبين أحد الإخوة، فشكاه ربما إلى القاضي، وعاد ليؤكد عدم معرفته بالتحديد، لكنه يتوقع هذا الأمر..!

أما (أبو عمر) الجديد، فقصته قصة كما يقال، فهو من الداعمين للدولة الإسلامية بالمال والنفس، وهو يقاتل في صفوفها، دون أن يعلن البيعة بعد، وقد تبرع بكل ما يمتلكه من أموال وسيارات، إلى المجاهدين في الدولة الإسلامية، ومنذ فترة ما قبل فتح وتحرير الموصل، ولم يبق لنفسه إلا سيارة ذات موديل قديم، تبرع بها وحول ملكيتها إلى الدولة الإسلامية، لكنه طلب من المجاهدين أن يستخدمها حين يحتاجها، فلم يمانعوا..!

وفي أحد الأيام طلبها منهم، وسار بها، فمرّ على حاجز تفتيش للدولة الإسلامية، فسألوه عن عائدية السيارة، فقال:

إنها من أموال المسلمين، وحينما طالبه رجال نقطة التفتيش بالموافقة الخطية على قيادتها، وبإنه في واجب جهادي، قاموا بإعتقاله، حينما لم يبرز لهم أي من الأوراق المطلوبة، ليصل بالتالي إلى هذا المكان!

عاد (أبو عبدالله) ليكمل القصة عن (أبو عمر) الجديد، مؤكداً ان المقام لن يطول به هنا، إن شاء الله، لأن (الإخوة) وصلهم خبر هذا الأمر، كما يصف الحال (أبو عبدالله)!

كل هذه الأحاديث كانت تدور حولي، لكني كنت في وادٍ آخر، فالرجل الجديد، (أبو عبدالله) أعرفه تمام المعرفة.. حاولت استرجاع بعض من ذاكرتي، كي أعرف أين التقيته، فأنا متيقن من هذا الشيء، وليس من عادتي أن أنسى الوجوه، لكن أين، أين يا حسين.. لا أدري!

لم احتمل هذا الجنون الذي يكاد يطيح برأسي، فقررت أن اسأله..!

(أبو عبدالله)، أنا أعرفك، وأظننا التقينا سابقاً يا شيخ، لكن لا أدري أين.. هكذا سألته!

فتبسم، ثم قال، وهو يمسح على لحيته الطويلة:

أنتم الصحافيون تخوفون.. ثم سألني:

هل عملت في الإعلام المركزي للدولة الإسلامية!؟

أجبته بالنفي!

فقال: ربما تشابه وجوه!

لم أقتنع بإجابته لإن حدسي لا يخيب، فكيف بذاكرتي، لكني توقفت عند سبب سؤاله عن الإعلام المركزي للدولة الإسلامية، وإن كنت عملت معهم أم لا، فأدركت حينها أن محدثي له علاقة بهذا الأمر..

وبعد عصارة ذاكرة تكاد تكون منهكة تمكنت من تذكر أن هذا الوجه المبتسم دائماً، دون أن يكشف عن الأسنان، إنما هو أحد الوجوه التي تظهر في إصدارات الدولة الإسلامية، فكتمتها في نفسي، ولم أذكرها أمامه، مكتفياً بذكرها لصاحبي (أبو عمر) الذي ضحك، وقال لي لاحقاً:

نعم، هو بعينه!



وفي اليوم التالي، وقبل إنتصاف النهار، جاء الحرس، ونادى على ضيفنا الجديد (أبو عمر)، طالباً منه الإستعداد للخروج، فضحكنا جميعنا، خصوصاً أن (أبا عمر) الجديد كان يكثر من الدعاء في عدم الخروج، حتى يرانا نخرج جميعنا من هنا، وأن يكون هو آخر المغادرين، ففضّله الله علينا، فخرج هو، وبقينا نحن!

وفي لحظات أصبح خارج القاعة، بعدما ودّعنا بحرارة، وخصوصاً رفيقه (أبو عبدالله) الذي جاء برفقته، دون أن يسمح لي الوقت للإستماع إلى حكاياته وقصصه، التي كنت أخطط لأستخراجها من جعبته، لكنه درسٌ تعلمته في إقتناص الفرص، وعدم تأجيل (فضول) اليوم إلى الغد!

بعد خروج (أبو عبدالله)، صاحبنا القديم، تحولت إدارة القاعة (إدارياً)، إلى أحد المجاهدين، وهو (أبو نعيمة)، الذي أوكل إليه المهمة (أبو عمر)، خلفاً لـ (أبي عبدالله)، وحينما وصل الشيخ (أبو عبدالله)الجديد، طلب منه (أبو عمر) أن يتولى بنفسه أمور القاعة بدلاً عنه، لإنه تعب على مدى أشهر من هذا الأمر، فرفض (أبو عبدالله) أن يحل بمكانه، من باب الإحترام، مكتفياً بإلتأكيد بإنه سيساعده في مهامه..!

طلب (أبو عبدالله) أن يتعرف على طبيعة المعتقلين، وعلى نوعية الجرائم التي جاءت بهم، فما كان مني إلا أن أضعه في الصورة الكاملة، كوني أصبحت مرجعاً متخصصاً في هذا الأمر، لدرجة بت فيها أتفوق حتى على مراجع النجف وكربلاء، وعلى رأسهم (السزّتاني) اللعين، بل وحتى على خُمينيهم الدّجال!

ولما أصبحت الصورة متكاملة لدى (أبو عبدالله) كاد أن يُصاب بالجنون، بعدما تفاجئ بطبيعة الجرائم المخزية التي سمع بها هنا، كالزّنا، وأفعال قوم لوط، وتجارة الحبوب المخدرة، والسرقة، والخطف، وغيرها من الجرائم، التي جعلت وجهه يتعمر غضباً، فطلب من (أبو نعيمة)، المسوؤل الإداري، أن يطلب من الجميع التجمع في وسط القاعة ليلقي لهم محاضرة، فيما استثنى كبار السن، طالباً منهم لزم أماكنهم والإستماع من هناك إليه!

ثم نادى على الحرس وطلب منهم كرسياً، ليجلس عليه أثناء محاضرته، وما هي سوى دقائق حتى تجهز السجناء، وجيء بالكرسي، لتبدأ واحدة من أكثر المحاضرات تأثيراً في السجن..!

إنهال (أبو عبدالله) على السجناء، بعد مقدمة على طريقة خطبة الجمعة، بالكلام القاسي، وهم يرتكبون الفواحش، في حين أن الأمة تمر بظرف ووقت عصيب..

كان الصمت يدب بشكل غريب.. وصوت (أبو عبدالله) جعل حتى الحراس يدخلون إلى القاعة ليستمعوا إلى خطبته أو محاضرته!

كانت الوجوه تنظر إلى الأرض، بعدما أخذ يتحدث إليهم بطريقة تجعل كل واحد منهم يخجل من نفسه على فعلته، مذكراً إياهم بالعقاب تارة، ومستدركاً، تارة، التوبة وملحقاتها!

تحدث (أبو عبدالله) بعصبية بالغة، وكان كل سجين يظن نفسه هو المقصود من كلامه، مع إنه لم يحدد شخصاً باسمه، أو تهمة بعينها، فقد كان ذكياً، إلى جانب كونه خطيباً متمكناً ومفوهاً!

نعم هذه هي الميزات القيادية التي يجب أن تتوفر في رجال الدولة الإسلامية.. هكذا كنت أقول لنفسي.. كنت استمع، ورغم بلاغة الخطبة، لكنني كنت منشغلاً في تحليل شخصية هذا المجاهد، الذي كان يتحدث، حتى في جلساتنا الخاصة، وكإنه لم يترك كتاباً شرعياً، أو علمياً، أو أدبياً إلا وحفظه عن ظهر قلب، إضافة إلى حفظه لكتاب الله..
حينما كان يتحدث (أبو عبدالله)، أكثر أحدهم من المقاطعة، والحديث عن موعد الطعام، وكان قد دخل قبيل ساعات إلى هذا السجن، وكانت هيأته توحي وكإنه، قد تناول شريطين من الحبوب المخدرة، كما يلمح إلى ذلك بعض أهل الإختصاص، من تجار الحبوب المخدرة المتواجدين في السجن، فما كان من (أبو عبدالله) إلا أن انهال عليه بعصبية، طالباً منه السكوت، وإلا فإنه سيجعل الحرس يعاقبونه، ما جعله يلتزم الصمت، ثم سرعان ما عاد ليعلو صوته، وسط تزايد حدة كلام (أبو عبدالله) معه..!

وحينما إنتهى (أبو عبدالله) من محاضرته، التي ساد الصمت أرجاء القاعة في أعقابها، وعاد ليجلس في مكانه بيننا، سألني عن سّرِ ذلك الرجل، الذي كان يُكثر من مقاطعته، فأبلغته أن البعض (من ذوي الإختصاص)، يؤكدون إن نشوة الحبوب المخدرة لا تزال تضرب في رأسه، فما كان من (أبو عبدالله) إلا أن يرسل إليه، فجاء وجلس أمامنا..!

كان الرجل في الأربعينات من العمر، أو يكاد يناطح الخمسين، ذو بشرة سمراء، وشارب خفيف، وذقن حليق، ويرتدي بنطالاً وقميصاً!

سأله عن تهمته أولاً، فأكد له إن أخوته شكوه إلى المحكمة، على إثر خصومة بينهم!

سأله كذلك عن قصة الحبوب المخدرة التي يتجرع سُمها، فنفى التهمة عن نفسه، جملةُ وتفصيلا، وأقسم إنه لا يتعاطى المخدرات، وأنه تركها منذ الفتح، معترفاً بذلك على أنه كان يتعاطها ويتاجر بها يوم كان جندياً في الجيش الشيعي، قبل فتح الموصل وتحريرها..!

كان هذا الشخص يتحدث، وأنا اُنصت، وبذات الوقت، أحاول أستذكر شيئاً.. فالرجل، الذي يشبه خالي الأصغر، قد رأيته قبل اليوم، وقد حفظته بشدة، نتيجة ذلك الشبه الذي يجمعه بذاك الخال، وكالعادة لا أتذكر متى وأين.. لكنه يقيناً ليس بخالي..!

وبخ (أبو عبدالله) هذا الشخص الذي بقينا ليومين نظن إنه تحت تأثير المخدرات، حتى صحوت من نومي في اليوم التالي، لاُخبر (أبو عبدالله)، و(أبو عمر) بما توصلت إليه، ولا أدري إن كان ذلك قد حصل معي في رؤية بمنامي، أم إنني توصلت إليه بعد طول تفكير في الأمر وأنا نائم، إذ إختلط عليّ حينها الحال، فالرجل شاهدته يوماً في مقطع فيديو، تم تداوله على مواقع التواصل الإجتماعي قبل سنين، يظهر فيه هذا الرجل، ومعه شخص شيعي آخر، يتم الحديث إليهم في غرفة تحوي ضباط شيعة ومرتدين، في الموصل، وكان موضوع الحديث يدور حول (السمسرة) وبيع وتجارة الحبوب المخدرة، وكان ذلك الشخص يتحدث وكإنه تحت تأثير المخدر، وكان الضباط الذين يحققون معه في التسجيل يضحكون عليه، من طريقة حديثه معهم، بل وأتذكر إنه طلب منهم ان يشرب الماء، فأعطوه زجاجة ماء، فراح يدور عليهم طالباً منهم أن يشربوا قبله، فيما كانوا يقهقهون بقوة على طريقته في الكلام، ثم عرض عليه أحد الضباط (السمسرة) لهم، وكان يؤكد لهم إنه إختصاص حبوب مخدرة فقط، وأن فلاناً وفلان هم المتخصصين بـ(السمسرة)، وكان صاحبه الذي كان يشاركه الفعل ذو لهجة شيعية جنوبية!

سألني (أبو عبدالله) إن كنت متاكداً من هذا الموضوع، لأنه شاهد، كما يقول، تسجيلاً مشابهاً، لكنه لا يشبهه، لكني أكدت له أن التسجيل الذي أعنيه، متيقن منه مليون من المائة، ولا يمكن أن اُخطأ في هذه الأمر، لإنني كنت حينها مندهشاً لأي مستوى قبيح ووضيع وصل إليه الجيش الشيعي المسخ، ولإنني لا يمكن أن أنسى طريقة حديث هذا الشخص، الذي ظننت حينها بالفعل إنه تحت تأثير المخدرات!

وما هي سوى لحظات حتى عاد هذا الشخص إلى (أبو عمر) هذه المرة، وهو يسأله عن نيته الإنتقام من إخوته عن طريق كشف جريمتهم!

سأله (أبو عمر) عن جريمة إخوته، الذين كان على خصام معهم، فأكد إن إخوته أقدموا على قتل إختٍ لهم، وقاموا بدفنها سراً، وإنهم لفقوا لها تهمة الزنا، ليشرّعنوا قتلها أمام الناس والقانون، في زمن حكم الشيعة، وذلك لإنها رفضت الزواج من رجل إختاروه لها، وأكد أن الأم، كانت على دراية بالأمر، لكنها خضعت للأمر الواقع، وألتزمت الصمت حيال جريمة أبنائها.. طالباً رأي (أبو عمر) حول إبلاغ القاضي بهذه التفاصيل من عدمه..!

سأله (أبو عمر) عن الأدلة، فأكد له إنه بإمكان المحكمة إخراج جثة الفتاة وإعادة فحص جثتها، ليتأكدوا إنها قتلت وهي باكر، وليس كما يدعي إخوته، فضلاً عن أن الأم إن تم مواجهتها بهذه الحقائق، فلن تستطيع أن تنكر فعلة أبنائها بإختهم البريئة، فاكتفى (أبو عمر) بالقول:

سيسألك الله عن ذلك يوم القيامة، وستكون مشتركاً في الجرم إن سكت على هذا الأمر، فنهض من عندنا وهو يتوعد بكشف تفاصيل هذه الجريمة أمام القاضي نكاية بإخوته، الذين سرقوا حقوقه، كما يقول!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطالب تاج
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
ابوطالب تاج


الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) Empty
مُساهمةموضوع: رد: الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)   الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) I_icon_minitime19/4/2018, 6:55 pm

من بين من حلّ ضيفاً جديداً علينا، رجلٌ تجاوز الثمانين عاماً، حتى أظنه قد إقترب من التسعين..!
كان رجلاً ضخم الهيئة، فلو تم تقسيمه لأجزاء، لأمّن عشرة أجساد، كجسدي، بشحمي ولحمي..

كان الرجل يسير على عكاز، ويرتدي فوق دشداشته الصيفية (الجلابية)، التي كان يرتديها في هذا الشتاء، (فروة)، لا تكاد تصل إلى ركبتيه، من فرط طوله، وضخامته، وتم حجز مكان له قرب الباب الكبير، ليدخل إلى المغاسل بلا عوائق، وكذلك ليقوم الحراس على تأديه طلباته بيسر وسهولة، ووجوده قرب الباب يسهل لهم أمر ذلك..!

كانت قدما الرجل كبيرتا الحجم، لدرجة أنه لا يستطيع إنتعال أي من أحذية المغاسل التي توفرها إدارة السجن للمعتقلين، ما اضطره لإستخدام الحذاء الذي جاء به من الخارج، والذي يكاد يقترب من حجم قارب نهري.. كما وطلب أبو عمر من بعض الشباب الذين يجاورونه، الحرص على خدمته في الصغيرة والكبيرة..!

لكن ليس عمر هذا الرجل، أو هيأته هي من كانت تُميّزه فقط، بل أموراً أخرى كذلك، بينها صوته الجهوري، الذي إن همس همساً، أرتجت له قاعة السجن بجدرانها الأربع، كما أن تهمته ترسم أكثر من علامة إستفهام مقارنة بسنه، فلقد أخذ يتحدث ذلك الرجل الكهل عن تهمته لجاره الشاب الصغير، الذي سأله عن تهمته على ما يبدو، فبُعد المسافة يمنعنا من سماع السؤال، لكن الإجابة بذلك الصوت المدوّي كشفت لنا عن هوية السؤال..!

تحدث الرجل الثمانيني، أو التسعيني العمر، عن مشاكل كانت دائمة الحدوث بين ابنته وبين زوجها، كحال أية عائلة أخرى، لا تخلو منها هذه المشاكل، لكن هذا الحال لم يكن يعجب هذا الأب، الذي كان الجميع ينادونه بالـ(حجي) حتى حراس السجن، ما جعله يمنع ابنته من العودة إلى زوجها في إحدى المرات، رغم محاولات الزوج إسترضاء عمه، والد زوجته، بكل الطرق والوسائل، لكن الوالد رفض عودة ابنته، مع إنها كانت ترغب هي في العودة إلى زوجها، بعدما تصالحت معه، لكن الحال وصل بالرجل الكبير السن، أن احتجز ابنته في إحدى غرف الدار، وأغلق عليها الباب، حتى لا تعود برفقة زوجها، ما دفعها، بعدما اُصيبت بحالة من الهستيريا، إلى محاولة الإنتحار بالكهرباء، لكنها نجت بإعجوبة من الموت، فما كان من الزوج إلا أن لجأ إلى الشرطة والمحكمة الإسلامية بهدف حماية زوجته من تسلط والدها، وإعادتها إلى أحضان أسرتها وأطفالها، فما كان من المحكمة إلا أن تُرسل دورية إلى دار والد الزوجة، لتستوضح من الحقائق، وما أن أبصر الأب الثمانيني، أو التسعيني، زوج أبنته برفقة رجال الشرطة الإسلامية حتى أنهال عليه بعكازه ضرباً، وبصعوبة بالغة تمكن من الإفلات من قبضته وضرباته المتوالية بعد تدخل رجال الشرطة الإسلامية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن الرجل الكهل الطاعن في السن، سارع إلى محاولة سحب البندقية من أحد أفراد الشرطة الإسلامية كي يطلق النار بواسطتها على زوج ابنته، ولولا ردة فعل شرطي الدورية، لكان (نسيب) الرجل الكبير في السن وزوج ابنته الآن في خبر كان وكان وكان!

بعد هذه الحادثة تم إحضار الأب، الطاعن في السن، والذي يعمل في التجارة، لغاية الساعة، إلى هذا السجن، بإنتظار أن يتم التنازل عنه من قبل زوج ابنته، في حين كان جميع المعتقلين، صغيرهم وكبيرهم، يتحاشون التقرب منه، لشراسته، بحسب ما ورد في قصته، لكنه كان يسعدنا بقصصه المتعددة، التي كان يرويها لصاحبه الذي ينام بجانبه فنستمع نحن لتفاصيلها كاملة، بفضل صوته ذو الصدى العالي، دون الحاجة للتقرب منه، قصص كانت تستمر حتى ساعات الصباح الأولى، دون أن يتجرأ أحد على الطلب منه أن يخفض صوته، كما هو معتاد في مثل هذه الحالات، بل أن بعض السجناء، وحينما يبدأون في المزاح، يقول أحدهم للأخر، اُسكت، وإلا ناديت عليك (الحجي)!

كانت إدارة السجن تحرصُ على تأمين الكثير من متطلبات السجناء، فقد كانت هناك ملابس داخلية كاملة توزع على المعتقلين بشكل شهري، كما فهمت من ذلك، ومثلما رأيت في إحدى الوجبات الخاصة بشهر كانون الثاني الذي كنا فيه، إلى جانب توزيع فُرش أسنان مع معجونها بشكل دوري ومستمر، إلى جانب المطويات والكتب الدعوية والمصاحف، والسواكات، والأحذية الخفيفة..

لكن ليس هذا ماكان يبحث عنه السجناء، فكل ما يهمهم هو أن تُحسم قضاياهم، ويخرجوا من هاهنا بأخف الأضرار، وأبسط الأحكام، وأقل الخسائر..!

كنا نجلس، كعادتنا، كل يوم في حلقات، أو نسير في وسط القاعة، حين يتم رفع الأفرشة في النهار، حيث يتم توفير مساحة مناسبة لتحريك الأقدام والأرجل، في رياضة يومية، سألني عنها يوماً أحد المعتقلين الجدد، حينما قال:

لماذا يدور السجناء هكذا في وسط القاعة، فأخبرته أن هذا من أوامر السجن، التي يجب على كل معتقل أن يقوم بها!

ففتح عينيه ورفع حاجبيه!

فأضفت على قولي قولاً آخر:

هل (أفتريت)، ودُرتَ أنت، أم ليس بعد !؟

فقال لي، مستغرباً الموضوع:

لا لم أفعل.. ولكن لماذا أفعل ذلك..!؟

فأخبرته أن من لا يقوم بفعل ذلك يومياً، يتم إستدعائه من قبل الحراس، ليتم جلده..!

فنهض الشاب الصغير من فوره، بعدما أكدت عليه أن يقوم بذلك، قبل أن يتم أخذ اسمه ليعطى للحراس لتتم معاقبته، وفي نيته التوجه إلى وسط القاعة ليلتحق بعشرات المعتقلين ممن يدورون في وسطها، وكإنهم يدوسون زرعاُ وسُنبلاً لإستخراج حبه!

لكني، وقبل مغادرته، أستوقفته وقلت له:

لا يجوز أن تدور عكس عقارب الساعة، بل يجب أن تسلك إتجاه الجميع، وإلا فإنه سيتم جلدك..!
وكان بقية المعتقلين، الذين يمشون بخطى متباينة السرعة، يسيرون بإتجاه واحد في مركز القاعة، وليس بينهم من يعاكسهم، كي لا يكون هناك حالة تصادم وتقاطع في السير، ما جعل الشاب يسألني عن سبب سيرهم في إتجاه واحد، ولإي سبب يتعرض المخالف للجلد، فقلت له:

إنها الأوامر!

فذهب ليتلحق بجمع الدائرين، وعيناه صوب باب القاعة، لعل أحد الحراس يراه، فيعرف إنه نفذ الأوامر، في حين اكتشفت أن (أبو عمر) كان يستمع لهذا المقلب، الذي جعله يضحك ملء فمه، حينما غادرنا الشاب الجديد، الذي كانت تهمته بيع الحبوب المخدرة!

فجأة، وإذا بالحراس يحملون بأيديهم ورقة فيها مجموعة أسماء، وراحوا يؤكدوا لنا أن هذه الأسماء سيعرض أصحابها على القاضي، وكان اسمي من بين هؤلاء، فكبّرت الله وحمدته، ودعا لي (أبو عمر)، و(أبو عبدالله)، أن تكون هذه هي المقابلة الأخيرة، ودعتهما خشية عدم رؤيتهما ثانية، وأتفقنا أن نلتقي بعد الخروج من هذا السجن، ثم غادرت، بعدما تم وضع عصابة على نصف وجهي، فضلاً عن عيناي!

كنا قرابة الأربعين معتقلاً، حينما غادرنا قاعة السجن الكبير، إلى قاعة سجن المحكمة الصغير.. وبذات الطريقة الذي نذهب فيها بكل مرّة، ذهبنا هذه المرّة كذلك، حتى أستقر بنا الحال في القاعة الصغيرة، التي وجدنا فيها بضعة عشرات من المعتقلين، بعضهم لم التقِ به مسبقاً..

جلسنا نترقب أن يتم عرضنا على القاضي، بعدما تناولنا طعام العشاء لتلك الليلة، التي تم أخذنا فيها قبيل مغرب شمس نهار يومها بقليل..

أحد المعتقلين، ويدعى (حسين)، كان يتنقل من مجموعة لأخرى، وكان يطلب من الجميع أن يدعوا له، فإنه في ضيق وكرب، لا يعلمه إلا الله، مع أن الجميع كان كذلك..!


وصل إلينا، وبدأ يطلب منا أن ندعو له، وكعادتي، سألته عن تهمته، فتحدث، بين الإبتسامة والخوف، قائلاً:

كانت هناك مداهمة لدار في منطقتنا، حيث كانت الشرطة الإسلامية تبحث عن لص هارب، فتوقفت سيارة الشرطة الإسلامية أمامي في الشارع، وسألوني عن دار المشتبه فيه، فلما أخبرتهم، عاد أحد عناصر الشرطة الإسلامية ليسألني عن عملي، فإخبرته بإنني أعمل في (الصحوات)!

يقول (حسين): فما كان من أفراد الدورية إلا أن قاموا بإعتقالي وإصطحابي معهم في السيارة، وهم في حيرة من أمري لإنني أخبرتهم بذلك!

سألته وماذا كنت تنتظر أن يفعلوا مع (صحوجي) مثلك.. ما جعله يرد عليّ:

ليس الآن، لكن في العام ألفين وستة، حيث كنت في محافظة صلاح الدين، وقد تبت بعد أشهر من ذلك العام، وجئت إلى الموصل هرباً من متابعة الصحوات لي!

ثم سألته:

ولماذا قلت لهم إنك في الصحوات!؟

فأجابني:

والله أخي النجاة في الصدق!

فانفجرت ضاحكاً، وأنا أقول له:

أي نجاة، وأي صدق، وأنت قد تبت، وتركت الصحوات، مثلما تقول، منذ تسع سنين!؟

فرد عليّ، وهو يضع يده التي يحمل بها مصحفاً، على ركبته:

ما حدث قد حدث!

قلت له:

وماذا قال لك القاضي في المقابلة الأولى؟!

فأكد إنه لم يلتقِ به بعد، وإنه سيتم عرضه بعد قليل على القاضي، وقبل أن يُتم كلامه، نادى الحارس عليه، مع مجموعة أخرى، فغادرنا، وهو يتوسلنا أن لا ننساه في الدعاء، وأن يفرج عنه الله هذه الليلة، ويعيده لأهله!

لم تمض أكثر من ساعة واحدة أو يزيد عليها بقليل، حتى عاد الباب ليفتح، ولتدخل منه المجموعة التي غادرتنا إلى قاعة المحكمة قبل سويعة، أو يزيد.. وكان ممن يتقافزون فرحاً ،(حسين)، الصحوجي السابق، الذي راح يُخبر الجميع أن الله استجاب دعواتهم، وأن القاضي ضحك كثيراً معه، وقرر إطلاق سراحه، بل وشكره على قوله الصدق!

وراح يروي للجميع المقابلة مع القاضي، بكل تفاصيلها الدقيقة، واصفاً ضحكة القاضي بالعريضة جداً، وأن القاضي وعده بأن ينام الليل في داره، وهو ماكان، حيث تم إطلاق سراحه قبيل منتصف تلك الليلة بقليل!

حالة أخرى شدتني، تمثلت في أبٍ وأبنه، فالأب كان يتحدث إلى أبنه، وسط لامبالاة من الصبي المراهق، الذي كان بعمر الخامسة عشر.. فالأبن يرفض أن يتناول الطعام برفقة والده السبعيني، بل يبحث لنفسه عن مجموعة أخرى، والوالد ينظر إليه بعين الحسرة والشفقة، حتى أن الأب كان يأخذ نصيبه من اللحم في طعام العشاء، والفاكهة، ليعطيها لولده، الذي يتناولها، ثم يعود ليتعامل مع والده، وكإن أباه لم يقدم له شيئاً..!

استغربت لوجود الرجل وأبنه سوية هنا، وحينما سألت عن قصتهما، تبين أن الأبن كان يكثر من الخروج من البيت، وسط إصرار الأب على تقليل ساعات وجوده خارج الدار، ومساعدته في أمور العمل، خصوصاً أن العائلة تسكن في إحدى المناطق شبه الريفية المحيطة بالموصل، فما كان من الإبن الذي امتعظ من إسلوب والده معه، إلا أن يلجأ إلى الشرطة الإسلامية في المنطقة التي يسكن فيها، متهماً والده بسب الذات الآلهية، وإنه يكثر من ذلك في قيامه وقعوده، فما كان من رجال الشرطة الإسلامية إلا أن استدعوا الوالد للتحقيق، ليتم عرضه على القاضي، ليبت في أمره..!

ذهب الأب وأبنه مع مجموعة أخرى، وما أن عادا، حتى أحسسنا أن الأبن تعرض إلى نقد شديد من القاضي، بل تهديد ووعيد منه، إن أقدم على عدم إطاعة أباه، حيث تكشفت للقاضي أكاذيب الصبي، فيما أكد الأب أن الأبن فعل ما فعل لينتقم منه على عدم السماح له بالخروج، دون أن يعي خطورة مثل هذا الأمر، نتيجة صغر سنه، وطبيعة تربيته، وقد تيقن القاضي من هذا الأمر، ما جعله يتخد موقفاً حازماً من الصبي، فضلاً عن تأكيده على الأب بضروره تربيته بصورة حسنة، وإلحاقه بالمساجد لتنشئته على الكتاب والسُنّة، ليكون نبتة صالحة، وقد أجل القاضي عملية إطلاق سراحهما إلى الصباح، كونهما من مناطق خارج الموصل..!

جاء الدور عليّ، والحق أقول إنني لم أكن متحمساً للنتيجة، فمقابلة القاضي المرة الماضية تركت في داخلي شعوراً كئيباً، لا يوحي بقرب الإفراج عني..!

سرت مع مجموعة من المعتقلين، ونحن معصوبي الأعين، كالعادة، إلى قاعة المحكمة، وجلسنا على ذات المصطبة، التي حفظت مساحتها، وموقعها، وعدد إستيعابها، بل وحتى برودتها، أكثر من أي شيء آخر، فكنت أول الداخلين إلى القاضي هذه المرة، عكس المرات السابقة، وهو ما أحدث فرقاً إيجابياً عندي!

سألني القاضي، أول الأمر، عن سبب عودتي من الخارج ودخولي إلى أرض الخلافة!؟

كان صوت المتحدث هو ذات الصوت الذي قابلني أول مرة، وهو ما شجعني على الحديث، لإنني أيقنت أن مصيري، بعد الله، بيد هذا القاضي..!

قلت له:

هل تسمح لي بالحديث، وبالبعض من الأسئلة!؟

فقال:

تفضل!

بادرت بالقول:

يا شيخ، أولم يدعو الخليفة جميع المسلمين للتوجه إلى أرض الخلافة، بلا إستثناء؟!

قال:

بلى!

قلت:

أوليس جواز المرور إلى هذه الأرض هو شهادة أن (لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)!؟

قال:

بلى!

قلت:

أولم يوجه الخليفة دعوة لأصحاب الكفاءات والإمكانيات والمهن كالأطباء والمهندسين والقضاة والتدريسين والإعلاميين وغيرهم للنفير إلى أرض الخلافة!؟

قال القاضي:

بلى!

قلت هل يستوجب أن يبايع كل من يرغب في النفير إلى أرض الخلافة، أم أن الأمر بالإمكان أن يقتصر على العيش في ظل حكم إسلامي لا غير، يحكم بشرع الله؟!

ردّ القاضي:

الدولة الإسلامية لا تجبر أحداً على بيعتها، ومن يرغب أن يعيش تحت حكمنا من المسلمين، فسيعيش معززاً مكرماً، مصان الحقوق والكرامة!

قلت له:

فهل الهجرة واجبة على كل مسلم إلى أراضي الدولة الإسلامية !؟

قال بلى!

قلت:

أوليس أهل البلاد أولى من غيرهم بالهجرة والعودة إلى ديارهم، خصوصاً إنهم المشردون في جنبات الأرض!؟

قال:

بلى!

قلت:

فكيف بي وأنا المسلم، وأنا المشرد، وأنا ابن هذه الأرض!!

إلتزم القاضي الصمت، ما دعاني للمواصلة:

أيها الشيخ:

إن عدت لكتاباتي ستجد إنني اُناصر المجاهدين منذ أول سني الاحتلال، ولم أتردد يوماً عن نطق الحق والجهر به، حتى إنني خسرت في سبيل ذلك أقرب المقربين، أهلي، وناسي، وداري، وأرضي، وبلدي، وقبل ذلك مهنتي، كل هذا حتى لا أسمح لقلمي أن ينثلم، وكي أبقى اُناصر المجاهدين حتى يعيدوا لنا الخلافة من جديد بعدما غادرتنا منذ سنين مجد غابرة..!

أيها الشيخ:

يطلقون عليّ، تسمية (كاتب المجاهدين) لإني ناصرتهم في سرائهم وضرائهم، مثلما ناصرتهم في سرائي وضرائي، حتى اُقيمت الخلافة، وأرتفعت رايتها، وعلا صرحها، بفضل الله، فتأخرت عن الحضور عنها خمسة أشهر بعد إعلان قيامها، لكني أخيراً وصلت أرضها، وأنا أول من يجب أن يطأ قدمه أرضها، وإلا ما قيمة كلماتي التي كنت اُجاهر بها، واُناصر، بصداها، جنود الرحمن ، أولم تكن كتاباتي بحثاً عن خلافة تعيد لنا أمجاد وفتوحات الصحابة، فما أقول لربي يوم أقف بين يديه، إن كنت من المتأخرين عن ركبها اليوم..!!

أيها الشيخ:

لقد جئت هنا لأستبين إن كانت هذه الخلافة التي نبحث عنها، وأدركت أن أول وسيلة لأعرف نصاع بياضها من خلال أسوء بقعة فيها وأكثرها سواداً، من السجن، فدخلت السجن بإرداتي، رغم إنه قرارك، كي اكتشف الحقيقة!

قال لي القاضي:

وهل اكتشفتها!؟

نعم أيها الشيخ، إكتشفت واقع الحال، وبناءً عليه إتخذت قراري، رغم كوني في هذا السجن!

تساءل القاضي:

هل غير السجن قرارك !؟

قلت:

أيها الشيخ، لقد مررت بفترات عصيبة في سجني، وتعرضت لوعكة، بل وعكات وإنتكاسات صحية، كنت أحياناً من شدة ما بي من وجع وألم وصداع، أسقط على الأرض في طريقي إلى المغاسل، لكني لم أطلب مقابلتك، ولم أطلب التعجيل بقضيتي وحسم ملفي..!

سألني:

ولماذا ؟!

قلت:

لإنني كنت أشعر أن الله يريد أن يختبر مدى جديتي وثباتي وصدقي، كنت أخجل يا شيخ أن أرفع أكفي إلى السماء، كي اسأل الله الفرج، لإن محنتي هذه ليست شيئاً أمام مجاهدين، وجدتهم في سجني يبكون ويتوسلون الله ليخرجوا كي يعودوا إلى ساحات جهادهم، فعلى أي شيء أتوسل الله، وأنا الذي لم أناصر إلا بالقلم!

عاد ليسالني:

وما الذي قررته الآن بخصوصك، هل ستبقى في أرض الخلافة، أم تعود من حيث أتيت!

صَمتُّ لبُرهة، قبل أن اُجيبه:

أيها الشيخ:

هل تعرف معنى أن اجتاز بحار ومحيطات، ويتم إعتقالي في هذه الحدود وتلك، ولا أخرج من بين أيديهم إلا أشبه ما يكون بمعجزات، وقطعت عملي في الخارج، وحملت على كتفي أطفالي، وأصطحبت زوجتي لنصل إلى أرض الخلافة، ورميت كل متاعي وآثاثي، وتخليت عن جنة دنيا، تالله إنها لمغرية مغرية مغرية، حد الشبع، وأستطيع أن اعيش في ديار الكفر عيشة الملوك والإمراء، أضمن فيها مستقبلي، ومستقبل أطفالي من بعدي، لكني والله لا أشتري دنياي بآخرتي..!

أيها الشيخ:

حفنة تراب من أرض الخلافة تعدل عندي سموات الدنيا السبع وأراضيها، فكيف أحرم نفسي وأطفالي وزوجتي، وأحفادي من بعدي، من العيش في ظلالها..!!

توقفت عن الكلام، فالأحرف ما عدت قادراً على نطقها، ولا الكلمات باتت تخرج منتظمة، بعدما نافستها دموع وحشرجة في الصوت كادت تودي بحياتي لحظتها..!

بقي القاضي صامتاً حتى انتهيت من نوبة البكاء التي مررت بها من هول ما طرح عليّ، ومما جال في داخلي لحظتها، بعدما شعرت إنني الأن في المكان الذي كنت أبحث عنه منذ مئات السنين، مذ قبل ما أولد وأبصر الحياة طعم الحياة، مكان كنت اكتب عنه، ولم أراه، كنت أقرأ عنه في كتب التاريخ والسِيَر، كنت أبحث عنه وسط الركام، ولم أجده إلا الآن، مكاناً يُحكم بشرع الله حقاً وصدقا، مكاناً لا يعلوه دستور طاغوت ومرتد ومشرك على دستور الله، مكاناً أحلم أن أموت على ثراها، واُدفن في جوفها، واُبعث من رحمها يوم يقوم الأشهاد، أرض إن الحكم فيها إلا لله، لا لحاكم وديكتاتور ينصبه علينا النصارى واليهود والرافضة والملحدين!

قال القاضي، بعد فترة توقف، لم تكن بالقصيرة في حسابات المحاكم:

أخبرني، ما الذي تريده الآن؟!

قلت أن أصل إلى عائلتي، وأن أحضرهم بسرعة البرق، ليعيشوا تحت ظل الخلافة..!

عاد القاضي ليستفزني ضاحكاً بالقول:

قد تذهب بعد هذه التجربة ولا تعود أبداً!

قلت له، وأنا أستخدم عصابة عيني لأنشف بها دموعي، التي تمردت عليّ، لهول الموقف في حساباتي:

أيها الشيخ:

إن عدت إلى حيث كنت، فقد عدت، فلن يضركم شيئاً، فما كان حضوري أو غيابي ليضيف لدولة الخلافة شيئاً، وإن عقبت، وإنتكست، وهربت، فقد كشف الله زيفي، وفضحني، وخلصكم من قلمٍ منافق لا يفعل ما يقول، وخلاصكم مني حينها خير لكم من تواجدي بينكم!

عاد ليسألني:

كنت تبحث عن شيء حين وصلت إلى هنا !؟

قلت له:

نعم، وقد وجدته!

ماهو.. سألني؟!

فقلت، مُختصِراً تجربة كاملة مررت بها وعشتها بنفسي:

العدل!

ثم أردفت، حتى لا يظن، إنني كنت استجدي إطلاق السراح:

لا أقيس الأمور بناءاً على ما جرى معي، بل من خلال ما رأيته بعيني، واطّلعت عليه بنفسي، ولن تتغير قناعاتي، حتى لو أبقيتني هنا الدهر كله..!

قال لي:

هل من شيء أخير تود قوله ؟!

أجبته:

سأعيش على ظهر أرض الخلافة، كمواطن، حالي حال أي مسلم آخر، وإن احتجتم لجهودي وخبرتي الإعلامية، فلن أتردد في وضعها تحت خدمة المسلمين، ومن يتولى أمر المسلمين!

سألني إن كنت بحاجة لورقة للتنقل، خصوصاً لنقاط التفتيش الحدودية، إن حاولت مغادرة أرض الخلافة، ثم ختم معي بالقول:

سنختم الآن جلستنا، إن لم يكن لديك شيء آخر تود قوله:

قلت له:

اُريد أن أسجد لله شكراً!

فتبسم وهو يقول، أو هكذا تصورته:

سيكون لديك الليل بطوله لتسجد.. ثم قريباً جداً.. ثم اعقبها بصمت لثوان، قبل أن يكمل:
جداً، ستغادر!

نهضت من مكاني، بعدما مدّ الحارس يده إليّ، كي يأخذني إلى خارج القاعة، التي غادرتها، بعدما سلمت على القاضي من خلف عصابة العين، فأصطحبني، بعد أن ساعدني على وضع الحذاء في قدماي، وسار بي نحو القاعة، التي ينتظر فيها زملائي النتيجة، وستكون، يقيناً، جميع تلك الأبصار شاخصة نحوي..!


توقفت فجأة، فقال الحارس لي:

خيراً حجي!؟

قلت له:

استئذنك أخي لمسح وجهي بعصابة عيني، وساُغمض عيني، إلى أن اُعيد العصابة عليها، فتبسم وهو يقول لي:

لا عليك إرفعها حجي، وأمسح وجهك وعينك مفتوحة، أنت حبيبنا!

شكرته، فتوقفت لألتقط انفاسي إستعداداً لمقابلة أخرى مع اسئلة المعتقلين والسجناء، والتي لن تقل ضراوتها عن أسئلة القاضي وإستفزازاته لي!

ما أن دخلت، حتى سارعت إلى المغاسل لأغسل وجهي، لعلي أستعيد بعض من وضعي الطبيعي، بعدها بدأت الأسئلة تنهال عليّ، فبدأت أروي لهم بعض التلفيقات عن قصتي، التي لم أخبر بها سوى المقربين كـ(أبي عمر)، و(أبو عبدالله) الأول والثاني، وثلة من المجاهدين، ممكن كانوا يشكلون محل ثقة بالنسبة لي في ذلك السجن، وقبل أن استكمل الحديث، طلب الحراس من الجميع الإستعداد، فتم تقسيمهم إلى فرقتين، الأولى إلى الخارج، حيث تم إطلاق سراحهم، مباشرة من هناك، والفرقة الأخرى إلى سجن القاعة الكبيرة، وأنا على رأسهم!

وصلنا إلى القاعة الكبيرة، وكالعادة استقبلني (أبو عمر)، و(أبو عبدالله) وهم ينتظرون مني البشائر، فحدثتهم بكل التفاصيل، حتى إنهم تأثروا كثيراً مما قلته للقاضي، بل (أبو عمر) فاضت دموعه، خصوصاً وأنا أتحدث عن حلم الخلافة الذي بات اليوم حقيقة!

أما (أبا عبدالله)، فقال لي وهو يبتسم:

سنترقب، كم هو الـ (قريب جداً جداً) في حسابات أخونا القاضي!

مرّ ذلك الخميس، بكل ثقله عليّ، وبقيت أترقب موعد مغادرتي لذاك المكان، رغم عدم تحمسي، بوجود إخوة لي فيه، يشاركوني لحظات قد لا تتكرر، كـ(أبي عمر)، و(أبو عبدالله)، وآخرين، بعدما أخذت توقعات رفاق سجني أن يكون السبت أو الأحد هو موعد إطلاق سراحي، كون الجمعة من أيام العطل، لكن وما أن حل صباح الجمعة، ومع إنتصاف النهار، طرق باب القاعة الكبيرة حراس السجن، وهم ينادون على إسمي مطالبين إياي بالإستعداد للمغادرة..

فنهض جميع المعتقلين والسجناء ليتوافدوا عليّ مهنئين، فيما أخذ (أبو عمر) يتنقل بين دموع فرح، ودموع حزن على الفراق، في حين أن (أبو عبدالله) أطلق ضحكة خفيفة، وهو يقول:

صدق شيخنا القاضي، فلقد كان (قريباً جداً جداً)، وأوفى بالوعد!

سجدت لله شكراً وودعت الجميع بالأحضان، وبالكاد كانت تخرج الكلمات من بين أسناني ولساني، بعدما وصل الحال بنا أن أصبحنا أكثر من الإخوة في هذه البقعة، التي لن أفلح في رسم ما كان يجري فيها، مهما إمتلكت من قلم سيال، فما كان يجري، تعجز الأفكار عن نسج فصوله وحكاياته، وتخرس الألسن إن حاولت إحصاء فوارقه أو ضبط نصوصه، فرغم كونه سجناً، إلا إنني كنت أجده، أجمل وأطهر بقعة أرض وطئتها قدمي على ظهر هذه البسيطة!

ودعت الجميع، وتم وضع العصابة على عيني خارج باب السجن، وسار بي الحراس بين هذه البناية وتلك، حتى أوقفوني في مكانٍ، ثم رفعوا العصابة عن عيني، لأجد نفسي في ذات المكان الذي وصلته أول يوم لي هنا، وإذا وبوجوه الحراس هي نفسها، تلك التي قابلتها أول مرة، فبدأنا في العناق، وكإننا نعرف بعضنا منذ سنين وسنين، فراح بعضهم يتأسف على ما جرى، وبعضهم يؤكد أن هذه الإجراءات مهمة لحماية أمن هذه الأرض، وأخذوا في إحضار (أماناتي)، بينها الحقيبة، التي لم تفتح على الإطلاق، إذا كانت كما تركتها، والكاميرا، و(اللابتوب)، وهاتفي الخلوي، ومحفظة الجيب، وطلبوا مني التأكد مما تحويه من أموال.. لكني إفتقدت شيئاً واحداً، وهو حزام البنطال، فسارع أحد الحراس، وكان بمثل قياس خصري، على خلع حزام بنطاله الجهادي، وناولني إياه، فلم أتردد في أخذه، وما هي سوى لحظات حتى عاد الحارس الثاني، الذي ذهب باحثاً ليستكشف مصير حزامي، وكان يحمله في يده، قائلاً، لقد كان في خزانة الامانات، ولم انتبه له، فناولني إياه، فقلت للمجاهد الأول، الذي ناولني حزامه:

لا تنتظر مني أن أعيد حزامك، فسأحتفظ به للذكرى، فضحك، وقال هو لك يا أخي!

ثم خرج المسؤول الأول الذي كان أول من إلتقى بي في هذا المكان، وهو يسلمني بعض الأوراق التي أحتاجها في جولتي، وهو يقول لي:

اُعذرنا أخي، من التأخير، لكنها الإجراءات، وحياك الله في أرض الخلافة.. ثم أخبرني أن أحد الإخوة سيقوم بنقلي بالسيارة، وكان يقف بجانبي، وهو يحمل حقيبتي وبقية أغراضي نيابة عني، فقلت لهم:

أعلم إنني لم اُخطأ المكان، ويوماً ساكتب عن كل هذا!

فرد عليّ ذلك المجاهد، الذي كان يحمل لي حقيبتي وأغراضي:

ونحن لا نريد منك إلا أن تنقل وتكتب عن الحقيقة المغيبة، وعما رأيت فقط!

أخيراً أؤكد لكم، وقبل أن أفارقكم في محطتي الأخيرة هذه، إنني لم أجد نفسي لحظة في حضرة دولة فتية، ولم أجد نفسي بين جدران سجن، كتلك السجون التي دخلتها من قبل، بل لم أجد نفسي في حضرة سجانين عاديين..!

ففي ذلك السجن الذي غادرته، كنت أزداد يقيناً، كلما مرّ علي الوقت، أن وجودي هناك لم يكن إعتباطاً، ولم يأتِ من صدفة، لا أؤمن بها، بل بتقدير إلهي، وبإرادة ربانية، كي تتكشف لي الكثير من خفايا (عدل دولة الخلافة الإسلامية)، وأنا الذي كنت أحسب نفسي، حتى وقت قريب، قريباً منها، حد القرب ذاته، لكن الحق الحق، إنني لم أتعرف على ماهية الولاء والبراء، إلا حينما عشته واقعاً مع المجاهد (أبو عبدالله)، الذي كان يريد أن يكون هو من ينفذ القتل بإخوته حينما شذا عن الطريق.. لم أعش معنى التضحية بكل شيء، بكل شيء، من أجل لحظة جهاد في هذه الدنيا، إلا بعدما قابلت شخص (أبو عمر)، الذي دفع ثمن السير على طريق الجهاد زوجته وأبنته وأبنه فضلاً عن ولديه، اللذان يرابطان في هذا القاطع الجهادي وذاك، رغم إصابة أحدهما البالغة، ذلك الرجل، (أبو عمر)، الذي بقي خلفي يُمنّي النفس بأن ييسر الله له أمره فيلتحق ببقية أبنائه، ليكون معهم، مجاهدين في سبيل الله، فمن يا ترى ياتيني بأقوام، كهؤلاء، لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها!

تباً، من هذا الذي يظن أن طريق الجهاد محفوفاً بالورود والياسمين والأزهار.. ومعبداً بالمرمر والحلان والصوان، كلا وربي، إنه لطريق أشواك وسَّجوار وصبار!


الخاتمة



رسالة، ومثلها كثير، وصلتني، يقول لي فيها من أرسلها:

(أردت أن أعبر لك، كغيري، عن خيبة أملي الكبيرة بتوقف الحلقات)!!

فوجدت نفسي ملزماً بالقول:

توقفي عن الكتابة، أيها الأحبة، ليس عن بطرٍ، ولا من كِبرٍ، لا وربي، كلا وحاشا، فمثلي يدرك عظمة قول الحق في زمن الفجور، أو في حضرة سلاطين وطغاة العروش، ومن هو على شاكلتي، لا ينبغي له أن يضع القلم جانباً، وهو ابن القضية، قضية يعيش من أجلها، وسيموت في ظلها، بإذن ربي، سائلا إياه الثبات، لكن، وبإذن واحد أحد، فرد صمد، ستعقب هذه السلسلة سلسلة أخرى، سأضع أولى حلقاتها على الورق، ما أن انتهي من تجاوز آخر مفرداتها على الأرض، إن أبقى لي الله عمراً حينها، فلا أريد أن أكتب بالحبر، وبين يداي محبرة دماء!

حسين المعاضيدي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطالب تاج
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
ابوطالب تاج


الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) Empty
مُساهمةموضوع: رد: الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)   الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله) I_icon_minitime19/4/2018, 7:38 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الختام لايسعني الا ان اعبر عن مدى روعة هذه الحلقات فو الله
كم سالت دموعنا شوقا الى ارض الخلافة وقد كانت سببا بفضل الله
الى شوق الكثير وهجرته وبين الصحفي حسين المعاضيدي( جزاه الله عنا خيرا ) حقيقة الواقع الجميل الذي هو حلم كل موحد وموحدة الذي عايشه بارض الخلافة التي تطبق شرع الله بفضله والذي عايشناه نحن ايضا وشهد به كل من كان تحت حكم الخلافة اعزها الله وحفظها وجعلنا تحت لوائها ومن جنودها ولبنة في بنائها واجعل اللهم اعمالنا خالصة لوجهك سبحانك واجرنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن انك على كل شي قدير وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

قلبي على ثقة ونفسي حرة
تأبى الدني وصارمي ذلاق
فعلام يخشى المرء فرقة روحه؟
اوليس عاقبة الحياة فراق؟
فارغب بنفسك وهي في أثوابها
ان لم تكن شام فتلك عراق
ابو حسن المهاجر ( حفظه الله)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحلقة الاخيرة من سلسلة هنا ارض الخلافة (اعزها الله)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المؤمنين والمؤمنات :: {{{{{{{{{{منتديــات المؤمنيــن والمؤمنــات الشرعيــه}}}}}}}}}} :: قسم المجاهدين واخبار الثغور العام-
انتقل الى:  





انت الزائر رقم ---------

http://almoumnon.1forum.biz/