منتدى المؤمنين والمؤمنات
عن عبادة بن الصامت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
أنه قال :
من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

فأتاهُ رجلٌ فَناداهُ : يا عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ ، ما تَرى في رجُلٍ قتلَ مُؤمنًا متعمِّدًا ؟ فقالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا قالَ : أفرأيتَ إِن تابَ وعملَ صالحًا ثمَّ اهتَدى ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، وأنَّى لَهُ التَّوبةُ والهُدى ؟ والَّذي نَفسي بيدِهِ ! لقَد سَمِعْتُ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، قاتِلُ مؤمنٍ متعمِّدًا ، جاءَ يومَ القيامةِ آخذَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ ، تشخَبُ أوداجُهُ في قِبَلِ عرشِ الرَّحمنِ ، يلزمُ قاتلَهُ بيدِهِ الأخرى ، يقولُ : يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلَني ؟ وأيمُ الَّذي نفسُ عبدِ اللَّهِ بيدِهِ ! لقد أُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ ، فما نسخَتها مِن آيةٍ حتَّى قُبِضَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وما نَزل بعدَها مِن بُرهانٍ
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 1/552
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح







منتدى المؤمنين والمؤمنات

-- قال صلى الله عليه وسلم وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء “
 
الرئيسيةالأحداثمكتبة المنتدىالمنشوراتالتسجيلدخولفيسبوك المؤمنون والمؤمنات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. ...
فهذه رسالة مختصرة إلى أهل الثغور في الشام،
وكما لهم حق النصرة فلهم حق النصيحة، فأقول:١
1--
عليكم بالاجتماع، فإن لم تجتمعوا على كمالٍ في الحق فلا تتفرقوا
بسبب نقص بعضكم، لا تفرقكم بدعة ومعصية فإنكم تقابلون كفرًا،
فقد اجتمع المسلمون على قتال العبيديين وقائدهم خارجي،
وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أهل بدع.




٢---
بالفرقة تُهزم الكثرة، وبالاجتماع تنصر القلة، ولن تنتصروا حتى تقتلوا هوى النفس قبل قتل العدو، فالهوى يقلب موازين العداوات فتنتصر النفوس لهواها وتظن أنها تنتصر لربها،
وقليل الذنوب يُفرق القلوب، قال النبي ﷺ: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) لم يمتثلوا باستواء صفوف الصلاة فتسبب بانـحراف القلوب،
فكيف بانـحراف صفوف الجهاد ولقاء العدو، فإن اختلفت القلوب فالتمسوا سبب ذلك في سوء الأعمال .



3----

إنكم في مقام اصطفاء ومقام ابتلاء، فمن أعلى مراتب الجنة جُعلت لمقاتلٍ قاتل لله، وأول مَن تُسَّعَر بهم النار مقاتل قاتل لهواه .

٤)----
إياكم وحب الاستئثار بالأمر وقد حذّر النبي ﷺ من (الأثَرَة) فاجعلوا همّكم نصرة الدين لا صدارة حزب وجماعة .

٥) ----
لا تخدعكم الألقاب فتوالوا لها وتعادوا عليها، فالله لا ينظر إلى ألويتكم وراياتكم وأسماء جماعاتكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،
لا تختصموا على اسمٍ فمهما بلغت أسماؤكم شرفاً فلن تكون أعظم شرفاً من كلمة (رسول الله) حيث محاها رسول الله بيده من صلح الحديبية
عندما نازعه المشركون عليها وذلك حتى يُمضي الحق وصالح الأمة .

٦)
----

ألقابكم اليوم لا تُفضّل أحد على أخيه ولا جماعة على أخرى وإن تنوّعت، فلا تسموا أنفسكم بأسماء فتجعلوا منها تشريعًا،
وولاءً وعداءً فإن كان منكم (أحرارًا) فليس البقية عبيدًا، أو (نصرة) فليس البقية خذلة، أو (دولة) فتقسموا الناس إلى تابعين أو مارقين،
فهذه أسماء ليس لكم منها إلا حروفها تتعارفون بها وتجمعكم لا تفرقكم، والعبرة بأعمالكم، فما ينفع (حزب الله) اسمه عند الله

٧)
 
لا يجوز لأحدٍ أن يجعل جماعته وحزبه قطبَ رحى الولاء والعداء، فلا يرى البيعة إلا له ولا يرى الإمارة إلا فيه،
ومن رأى في نفسه ذلك من دون بقية المسلمين فهو من الذين قال الله فيهم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)
قال ابن عباس لما قرأ هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم
إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله
وبالاختلاف والتنازع يذهب النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) قال قتادة: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
٨) ---
لا يصح فيكم اليوم وأنتم في قتال وجماعات أن ينفرد أحدٌ ببيعة عامة يستأثر بها ولوازمها عن غيره وإنما هي بيعة جهاد
وقتال وثبات وصبر وإصلاح ونـحو ذلك، ولا يصح من أحدٍ أن ينفرد بجماعة منكم فيُسمى (أمير المؤمنين) وإنما أمير الجيش
أو الجند أو الغزو، فالولايات العامة مردّها إلى شورى المؤمنين لا إلى آحادٍ منهم، والألقاب استئثار تفضي إلى نزاع وقتال
وفتنة وشر، وإنما صحت الولاية الكبرى من النبي ﷺ لأنه ليس في الأرض مسلم سواه ومن معه، وليس في
الأرض خير من نبي ولا أحق بالأمر منه، فلو استأثر فهو نبي لا يرجع لأحدٍ ويرجع إليه كل أحد .

9---- لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، فاتقوا الله في دمائكم، واحذروا مداخل الشيطان في تسويغ القتل وتبريره فتأخذوا أحداً بظن العمالة أو التجسس
أو التخذيل فالله حذر من الظنون التي تفسد أمر الأمة وتفرق شملها (اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)
ولا تجوز طاعة أميرٍ في قتل مسلم معصوم ومن أُمر بحرام كقتل معصومٍ فلا تجوز طاعته ولا بيعته حتى بيعة قتال،
 ولو بايعه فبيعته منقوضة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم  حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ وإن جهل سأل من يعلم،
حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام، فيُفسد آخرته بجهل أو تأويل غيره، فالله يؤاخذ كل نفس بما كسبت (كل نفس بما كسبت رهينةٍ)
ولا أعظم بعد الشرك من الدم الحرام .

تابع 9 ----

فقد صح من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمّر خالد بن الوليد إلى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:

صبأنا، صبأنا، فأمر خالد بقتل أسراهم، فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره،

قال: فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي ﷺ ورفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين .

فقد عصوا خالدًا لما اشتبه عليهم الأمر، وهذا في دماءِ من الأصل فيه الكفر فكيف بدم من الأصل فيه الإسلام ؟!

10 ----

عند النزاع انزلوا إلى حكم الله كما أمر الله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)
وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
فالنزول عند حكم الله إيمان والنفرة منه نفاق، وإن اختلف اثنان أو جماعتان فليتحاكموا
إلى ثالث من غيرهم، دفعاً لتهمة المحاباة، فقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين)
وفي الحديث الآخر: (لا تجوز شهادة ذي غمر (عداوة) لأخيه، ولا مجرب شهادة،
ولا القانع (أي التابع) لأهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)
وقد جاء معناه من طرق متعددة يشد بعضه بعضاً، وهذا في الشهادة وفي القضاء من باب أولى

١١)

احفظوا ألسنتكم فإن الوقيعة في أعراض بعضكم تزيد من أحقادكم على بعضكم، فما يزال الواحد واقعاً
في عرض أخيه حتى يمتلىء قلبه حقدًا وغلاً عليه فيُصدّق فيه ظن السوء ويُكذّب فيه يقين الخير .



١٢)
أحسنوا الظن بالعلماء ورثة الأنبياء واحفظوا قدرهم بالرجوع إليهم والصدور عن قولهم،
وأحسنوا الظن بهم واحملوا أقوالهم على أحسن المحامل، فمدادهم في نصرة الحق أثرها عظيم
وقد جاء عن جماعة من السلف (مداد العلماء أثقل في الميزان من دماء الشهداء)

13)

لا تُرحم الأمة إلا إذا تراحمت فيما بينها، ومحبة الله للمجاهدين ونصرته لهم معقودة
برحمتهم بالمؤمنين وتواضعهم لهم، وعزتهم على الكافرين، فإن من صفات المجاهدين
ما ذكره الله في قوله تعالى
: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).



ومن الله استمدوا النصر والعون هو المولى فنعم المولى ونعم النصير .



الشيخ عبدالعزيز الطريفي ١٧/ من ذي القعدة / ١٤٣٤ هـ
.

شاطر
 

 سبعُ عجاف!

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Nouf_alqarni
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
Nouf_alqarni


سبعُ عجاف!  Empty
مُساهمةموضوع: سبعُ عجاف!    سبعُ عجاف!  I_icon_minitime8/2/2019, 1:14 pm

سبعٌ عجاف!


"قصَّة واقعيَّة في الهجر والوصل"


_______

إنني المفؤودُ في "سبعٍ عجافْ" **  وأنا المدفوعُ عن تلك الضفافْ

إنني مَن عاش ملتاعًا بمن **   قطَّع الأوصال واستحلى الجَفافْ!

 
[١]

 
على ضِفاف الحياة الجامعيَّة، وبعد انقضاء ستة فصولٍ في (كليَّة الشريعة)، ومقاربة التخرُّج، والاستفادة من جمع من أهل العلم

والأدب.. قابلتُ الشيخَ (صالحًا) في مجلس أحد العلماء، لم أكن أعرف أنَّ هذا الشيخُ صالحٌ بعينه.. لكنَّ سمتَه، ولحيتَه البيضاء، وجلوسه المتواضع شدَّ ناظري، وكنتُ أقول في نفسي: من هذا؟ لأول مرة أراه في مجالس العلماء..

بعد قيام الناس من المجلس، همس (عبد العزيز) في أذني: 

هل تعرف ذلك الشيخ ذا الشيبة؟

فقلت: لا..

فقال: هذا الشيخ صالح!

فقلتُ: صالحُ كذا وكذا؟ وصاحبُ كذا وكذا؟

فقال: نعم، هو هو..

 
ولم أكن أعرفه إلا بالسماع عنه، وما أرى وأبصر من ثماره في العلم..

كنتُ قد رسمتُ له في مخيّلتي؛ بأنّه فقيهٌ جافٌ، وشيخٌ غليظ، رغم عدم وجود أيّ مقدمات إلا هلاوس أفكاري!

كنتُ أسمع أنه منقطعٌ للعلم، لا يكاد يخالِط أحدًا..

 
المهم أنني سارعتُ إليه، واقتربتُ منه، فرآى مني إقبالاً فأقبل عليَّ بكلّيته، ببِشرٍ وابتسامة تُشرق له الظُلمة..

فقلتُ له: أنا راشد.. من هاتيك الديار، ويعلم الله أننا نحبك في الله، ونستفيد منك وإن لم نرك.. فردَّ بكلامٍ حسن، وتواضع فطري..

 
فقلتُ له: كيف لي أن أستفيد من علمك؟

فقال لي: أنتظر زيارتك، حيهلاً ومرحبًا، ثم أعطاني رقم جواله، وانصرف..

 
ليلتَها.. فكّرتُ فيه؛ أحقًا أنّ ما كنتُ أتصوره عنه غيرُ صحيح مع هذا البِشر وهذه الحفاوة؟

أحقًا سيفتح لي بابَه الموصد عن كثير من الطلبة؟

 
فقلتُ: سأجرِّب، لن أخسر شيئًا، وقد أستفيد..

 
كان أول خرزة في عقد محبّتنا، وأول لبِنة في بنيان مودتنا= رسالة جوال..

قلتُ له فيها بعد السلام:

"أنا راشد.. الذي قابلتُك في ذلك المجلس.. هل يناسبك أن أزورك غدًا المغرب"؟

 
فردّ مباشرةً:

 
"مثلك يطرق الباب بلا استئذان، كما تسللتَ إلى القلب دون اسئذان.. هكذا أنتم يا أهل هاتيك الديار، قلوبكم رقيقة"!

 
فتعجَّبت من هذا الرد اللطيف، فتمّت الزيارة الأولى..

 
في تلك الزيارة؛ رأيتُ نبذه للكُلفة، ألقى شماغه جانبًا، وقال: اسمح لي بنزعه، فالشماغ من الأغلال، فقلتُ: خذ راحتك يا شيخنا، فقال: يا راشد.. لا تمشيخني، فإني لا أحب ذلك، وأحب ما تناديني به هو كنيتي، فنادني بـ (يا أبا محمد)..

 
فقلتُ له: كما تحب يا شيخنا.. عفوًا.. يا أبا محمد..

 
انقضى اللقاء الأول بسرعة كالبرق..

لستُ ممن يحكم من أول لقاء..

لكنني جزمتُ أنّ هذا الرجل من نوادر الرجال، له قلبٌ زجاجيٌّ في صفائه مع شدّته، وروحٌ أعذب من الماء الزلال، ونفْسٌ أرقُّ من نسائم الفجر!

عند هذا الرجل جوانبُ ستبيِّنها لي الأيام..

 
[٢]

 
حصل لقاءٌ ثانٍ، ثم ثالثٌ، ثم رابع..

لم تكن لقاءاتُنا لقاءاتِ علمٍ أو قراءة.. كانت مسائل العلم تأتي عَرَضًا..

قد تجاوزتُ معه تلقي العلم والمسائل، إلى تلقي المعاني التي لا تؤخذ إلا من أفواه الرجال وصدورهم وأفعالهم..

 
معاني المروءة، والصفاء، والشهامة..

معاني الصدق، والنخوة، والتجرّد..

ومعانٍ أخرى وأخرى..

 
لم أجده راغبًا في أن تكون علاقتُنا أستاذيَّة.. يلقي لتلميذه ما يريد أو يراه..

كان -قدّس الله سرّه- يحب أن تكون الاستفادة تأتي عفوًا من غير إعدادٍ وتلقٍّ..

كنتُ أسائله في الليالي المُقمرة، وعلى جلسات القهوة المؤنسة عن حياته في طلب العلم، وقراءاته، وعلاقاته، ومحنته، وشؤونه..

كان يحدثني بلا تحفّظ..

نشأ بيننا وُدٌّ خاص..

ودٌ كبير، عظيم، صادق، لا يُشترى بأموال قارون، ولا يُباع في أسواق الملوك.

لقد أحبني..

نعم؛ أحبني بصدقٍ، وعاطفةٍ سماويَّة..

إنه رجلٌ وإن شابت لحيتُه إلا أن قلبَه لم يشِخ.. قلبه لؤلؤةٌ لا يصل لأصدافها غوَّاصٌ ماهر!

همس في أذني مرَّة: (أنت والله يا راشد بمنزلة ابني محمد)!

لو لم ينطق.. فعيناه تنطقان بحبِّه الصادق..

 
[٣]

 
شيءٌ ما كان يجعلني أتخوَّف على مصير محبّتنا..

أبو محمد رغم رقَّة قلبه، وصدق عاطفته، وسماحة نفسه.. إلا أنّه لما كان شديد الشرط في اصطفاء مَن يحب؛ فربما كان يأخذ بالظِّنَّة، ولا يغفر الزلَّة، وتأخذه غضْبةُ الساعة!

 
أنا أعذره في ذلك..

إنه يحب بصدق..

إنه يبذل أنفاسه في خدمة من يحب..

إنه يعيش عقلَ ابن حزم، وعواطفَ ابن زيدون!

فإذا وجد ممن أخلصه الودَّ، وصفَّاه الحبَّ جفاءً أو صدودًا= ربما صدَّ عنه من غير بغض، وقطع وصلَه من ضغينة..

 
هو هكذا.. كما فهمتُه..

 
[٤]

 
مرَّ عامٌ ونصفٌ بسرعة شديدة، كانت حافلةً بالحبِّ الصادق، والوصل الجميل.. تخرَّجتُ من الجامعة.. وأنا باليد التي أحمل بها وثيقة التخرُّج.. أحمل في قلبي جبالاً من آلام الوداع.. لأحبتي وزملائي..

 
ومن أجلِّهم شيخُنا أبو محمد..

لحظات الوداع لا أحسنها، ولا أحبها، بل لا أطيقها..

 
جئتُ منزلَ شيخنا لأبشّره بالتخرّج، ولأعيش معه آخر المؤانسة.. فإني أظن أني لن ألقاه بعد يومي هذا إلا زيارات موسميّة لا تروي غليلاً، ولا تشفي عليلاً..

 
ودّعتُه وبودّي لو يودّعني ** صفوُ الحياةِ وأني لا أودعُهُ!

 
همس في وداعه:

يا راشد .. في اليوم الذي تصدر وظيفتك، فبشّرني مباشرةً، فقلتُ: أبشر..

وداعًا أبا محمد.. أو إلى لقاء..

 
[٥]

 
بعد أربعة أشهر، وقبيل موسم الحج، اتصل بي، وطلب مني مادةً علميّةً من أحد المشايخ الذي تربطني به علاقة.. فسُررتُ بطلبه، ووعدتُه بالخدمة.. وأخبرني أنه يريدها لأحد المشايخ لا له.. 

 
ذهبتُ للشيخ المذكور، وطلبتُ منه ذلك، فوعد بإعطائي، فبلّغتُ أبا محمد..

ثم ذكَّرتُ الشيخ المذكور في اليوم الثاني، فوعدني مثل ذلك كذلك.. وأخبرتُ أبا محمد..

ثم ذكَّرتُه في اليوم الثالث، فقال لي نحوَ ما قال في اليومين السابقين، فاستحييتُ بعد ذلك من التكرار، وقد استأذنتُه ثلاثًا!

 
فأرسلتُ رسالة اعتذار لشيخي أبي محمد، قلتُ فيها:

"قد طلبتُ الشيخَ ثلاث مرات، وماطلني، والاستئذان ثلاث، فلك مني إن أعطاني أن آتيك بها"..

 
ولم يرد أبو محمد على رسالتي، فلعله كان مشغولاً..

 
[٦]

 
انتهى موسم الحج، ووقف الحجيجُ بعرفة، وتقبّل الله حجَّ من يشاء بفضله..

 
في شهر الله المحرّم جئت ديار أبي محمد..

اتصلتُ به ولم يرد، واتصلتُ به مرةً أخرى بعد ساعات ولم يردّ، فأرسلتُ له رسالةً بأني في دياركم، وأرغب في زيارتكم.. فلم يرد!

 
والله؛ لقد كاد قلبي أن يتقطّع أشلاءً، ويمزّق كلَّ ممزَّق!

فأبو محمد.. في عِزِّ انشغاله يردّ على مكالمتي، ويقول: سأتصل بك لاحقًا يا راشد.. فأنا مشغول الآن..

 
بدأ قلبي يرتجف، خاتلتُه، واتصلتُ به من رقم صديق لي، فردّ مباشرةً..

فقلتُ: سلامٌ عليكم.. كيف حالك شيخنا؟

فعرف صوتي، وقال: مَن؟ راشد؟ أنا مشغول.. ثم أغلق الخطَّ في وجهي!

 
تحدّرت دمعةٌ ما كان له أن تتحدَّر أمام صديقي..

لقد جاءت الساعة التي تخوّفتُ منها زمنًا..

طفقتُ أتذكّر آخر عهدي به.. وكلّ تفاصيل سيرتي معه، لأقوم بتتبُّعِ وسبر واستقراء ما يمكن أن يكون سببَ هذا الجفاء..!

 
أرسلتُ له رسالةً نصها:

"شيخنا.. بالله عليك ماذا رأيتَ مني؟ وماذا أغضبك عليَّ؟"..

 
فردَّ بهذا النص:

 
"ليس لي عليك عتب"..

 
يا إلهي.. ما هذا؟!

لقد قرَّر هجري حقًا..

أين الوداد السابق؟!

أين المُحِبُّ الوامق؟!

أين الحب الصادق؟!

 
أرسلتُ له أخرى:

 
"شيخنا.. والله لا أعلم جنايةً ارتكبتُها في جنابك.. فإن كان لك حقٌ في العتب والغضب، فلي حقٌ في قبول العذر وبيان السبب.. وأنت معلمي.. فأين النصيحة"؟!

 
فأعاد:

"ليس لي عليك عتب، وفقك الله ويسر أمرك"..

 
حينها علمتُ -بعد انكسار قلبي، وتفطُّر فؤادي- أنه لا يرغب في فتح ملفٍ للمصالحة..

 
ظننتُ أنها سحابة غضبٍ تنقشع قريبًا..

 
أرسلتُ له بلسان المفؤود الذي يودِّع قلبَ أبي محمد:

 
"قد قلتَ يا أبا محمد في أول رسالة جوال منك: (مثلك يطرق الباب بلا استئذان، كما تسللتَ للقلب دون استئذان).. ومَن لا يستأذن فالحق الشرعي أن تُفقأ عينُه، وقد فقأتَ قلبي"!

 
فردَّ مباشرةً مؤذنًا بالعهد الأخير:

 
"لا أحسن دندنتك.. وليس لي عليك حقٌ ولا عتب.."!

 
حينها أدركتُ حقًا أنني قد قُدِّر علي الفراق والهجران..

لماذا يا أبا محمد؟! لماذا؟!

 
[٧]

 
في الوقت الذي ظَللتُ أتلمّس له الأعذار، وأردُّ الأسباب إلى طبيعته وطينته -ومَن عرف طبائع الناس استراح- لم أكن أجد له في نفسي عذرًا في صدوده، وعدم عفوه عن زلل الأصحاب إن كنتُ زللتُ أصلاً..

بدأتُ أتذكر كل ما قيل من شعر ونثر في العفو والمسامحة والغفران..

كنتُ أقطع بشيء واحد؛ وهو أنه لا يمكن أن يكون مبغضًا لي، فقد بلوتُ عفوَه عن الناس، وسعة صدره لمخالفيه فضلاً عن أحبابه..

لكنني لم أكن راضيًا عن صنيعه..

 
هنا؛ أخذتني العِزَّة، ورأيتُ أن كلّ من يهجر أصحابَه على هفواتهم غير المقصودة.. لا يصلح للصداقة.. وما يؤمنني أنني إن رجعتُ إليه، هفوتُ هفوةً أخرى، فهجرني هَجرًا آخر، ولا يُلدغ (العاقل) من جُحرٍ مرتين!

 
أكثر ما آلمني في هذا الهجر -بعد فراق روحه الطاهرة- هو جهلي بسبب الهجر..

 
حينَها.. عزمتُ على قطع التواصل معه، والاكتفاء بما له حقٍّ واجب..

وكنتُ أقول: لو عاد لي ما عُدتَ له.. إنه لم يقدر المحبَّة قدرها، فلا يصلح لي ولا أصلح له..

 
شيءٌ واحِدٌ كنتُ أكذَبَ فيه من هوامير الكذب، وهو أنني أوهمتُ نفسي ومَن يعرفني بنسيان أبي محمد.. وأنه لم يعد ذا بال في حياتي.. لقد نسيتُه، ولا أشتاق إليه..

 
حينما أخلو بنفسي، وأضع على الوسادة رأسي.. تدبُّ إلى أفكاري نسماتُ روحه النقيَّة.. فلا أملك إلا الشوق إليه فضلاً عن العفو..

لم أكن أراه قاسيًا..

النومُ كان قاسيًا..

الليل كان قاسيًا..

جُرح القلب كان قاسيًا..

كل شيء حولي كان قاسيًا..

ثم يراودني هذا السؤال الذي ظلَّ يدور في ذهني سبعَ سنوات عجاف:

 
ما الجريرةُ التي ارتكبتُها في حقه؟

فيزدادُ الألم ألمًا، والجرح جُرحًا.. وأسبِل دمعتي ثم أنام نومَ الملتاع!

 
[٨]

 
بعد ثلاثة أشهر من الفراق، صدر قرار وظيفتي، فتذكرتُ عهده إليّ بتبشيري له بذلك، فقلتُ: لعلّ هذا يردم الهجر، فكتبتُ إليه:

"كنتَ قد أخذتَ عليَّ عهدًا أن أبشرك بوظيفتي إن جاءت، ها أنا قد عُيِّنت في هذا اليوم"..

 
فردّ عليَّ بلغةٍ ليست لغتَه:

 
"مبروك، والحياة أمامك، وستعلِّمك الكثير"!

 
ليتني لم أبشِّره!

ما هذا..؟

هل كانت جريرتي المجهولة شيئًا إدّاً أحتاج معه إلى حياة طويلةٍ تعلِّمني وتؤدبني؟!

وكثيرًا ما يكون تعليمُ الحياة وتأديبُها قاسيًا..

 
هنا تيقَّنتُ أن الرجلَ قد نفض يده مني، وقد باع موّدتي بثمن بخس!

 
عوَّضني الله فيك خيرًا يا أبا محمَّد..

هنا.. علمتُ البلاء، وعرفتُ أنّ خيرَ الوصل ما كان عن هجر، فجعلتُ أدعو له في صلواتي، ومناجاتي.. ووالله.. لم يطرق قلبي بغضٌ له أو مقتٌ، وإن قسا وجفا..

لم أذكره في مجلس إلا بثناءٍ وخير..

 
ثم انشغلتُ عنه بنفسي في حياتي الجديدة..

 
[٩]

 
تصالحتُ مع قلبي في تناسيه، وتناسي الليالي المقمرة معه..

لكنني ما إن أصل (الرياض) لزيارة الأحباب والأصحاب والمشايخ إلا أجد قلبي ينجذب بقوّة المغناطيس إلى بيته..

 
أحيانًا أقول: ليتَ أبا محمد مات -أطال الله عمرَه على طاعته- إذًا ليئستُ منه، فالموت إحدى الرحتين كما تقوله العرب!

 
مشكلته أنه حيٌّ يُرزَق، يأكل ويشرب، ينام ويستيقظ.. يتبسَّم للحياة.. يتبسَّم لكلِّ شيء إلا لي!

فما أتعسني..

 
أجد نفسي أذهب بسيارتي إلى باب بيته، فأقف على الأطلال، ثم أقول: ما يمنعه الآن مني إن طرقتُ بابَه، وهو -والله- شهمٌ عزّ نظيره، ولن يردّني وقد جئتُ منزله، بل سيكرمني غاية الإكرام..

 
لكنّ الحبَّ الصادق عزيزٌ لا يُطلب ولا يُشحذ!

فأسبل دموعًا حرّى.. ثم أنصرف، وأنا أراقب بالمرآة بيتَه من الخلف حتى يتوارى..

 
ألا.. ما أشدَّ ما فعلته بي يا أبا محمّد!

فليغفر لك الإله..

 
[١٠]

 
مرَّت خمسة أعوامٍ تتسارع عقارب ساعاتها.. حقًا؛ لقد اعتدل المزاج، وخبت نارُ المحبة المتوقدة، وتكيَّفتُ مع تناسيه..

 
زارني فوَّاز.. زميلٌ من أنجب الزملاء، ومحبٌّ صادق من خيرة الفضلاء.. وليته لم يزرني!

 
أثناء الحديث مع رسوم الضيافة من قهوة وقدوع، سألتُه.. وليتني لم أسأله!

 
ما أخبار شيخك عبد الرحمن؟

وشيخك فلان وفلان وفلان؟

فذكر لي أنهم جميعًا بخير..

 
فقلتُ له: هل بينكم تواصلٌ مستمر..؟

فقال: حقيقةً أنني قصّرتُ في التواصل مع مشايخي بعد انشغالي بالماجستير.. ولم يعد تربطني بأحد علاقةٌ وثيقة إلا بالشيخ صالح..

فقلتُ منتفضًا: الشيخ صالح صاحب كذا وكذا؟

فقال: نعم.. هو..

أظهرتُ أني لا أعرفه، ثم بدأ -وليته لم يبدأ- يحدثني عنه وعن أخلاقه وتواضعه وطيبه....

وأنا أقول في نفسي: وهل أنا محتاجٌ لأن يحدثني أحدٌ عن أبي محمد؟!

 
ثم بدأ يذكر لي تواصلهم الدائم، وجلوسهم، وذهابهم ومجيئهم.. وأن أبا محمد لا تكاد تربطه علاقةٌ مع غيره..

 
حينها انفرط عِقدُ مشاعري، وسالت عيوني، وجعلتُ أتمتم بصدق: أدام الله المودة بينكما..

 
سألني فواز: ما بالك يا راشد؟

فحاولتُ التخلّص من سؤاله، لكنّ الحال كان أبلغ من المقال!

فقال: كان بينكما علاقة؟

فقلتُ: نعم.. كما تذكر عن حالك وأكثر، ولذلك إيّاك والخطأ، فإنه لا يكاد يغفر إن أحبَّ!

 
ثم قلت له: يا فواز.. إذا كان لي عندك قَدْرٌ، فأرجو أن تُحسن إليَّ بطريقتك الخاصة، لتستخرجَ من كلام الشيخ السبب الذي هجرني لأجله.. فقط لأقوِّم نفسي، وأستفيد من خطئي، فاذكرني عنده، فلعله يذكر لك ذلك، فإن أمَّنك فلا تخبرني.. وليس في ذلك تجسُّس أبدًا..

ولعلَّك تكون حلقة الوصل بيننا، فقال: أبشر..

 
ثم انتهى لقائي بفواز، ولم يتيسر له لقاء الشيخ صالح؛ لانشغال صاحبنا بالزواج والحياة الجديدة.. أعانه الله، وفوازٌ على محبته الصادقة وتأثره بالحادثة إلا أنه ليس مَن يده في النار كمن يده في الماء!

 
[١١]

 
بعد زيارة فواز بشهرين.. ومن غير موعدٍ.. في معرض الكتاب الدولي بالرياض.. كان القدر أن أكون في زحام بوّابة الدخول لأُبصِر رجلاً ذا شيبةٍ ووقار خارجًا من المعرض لبوابة الخروج، والتقينا فجأةً في نقطة الزحام..

ووقعت عيني على عينه..

انتفض قلبي.. حقًا .. إنه الشيخ صالحٌ أبو محمد!

رأيتُه مبتسمًا.. ببِشره المعهود..

أحقًا.. زال ما في نفسه تجاهي؟!

سلّمتُ عليه، وقبّلتُ رأسه..

فقال: كيف حالك يا راشد؟!

فقلتُ: الحمد لله، وأنت؟

فقال: بشِّر.. هل تزوجتَ؟

[فكان هذا السؤال كالصاعقة عليَّ!

هل نسي تفاصيل حياتي؟

لم يدخل بيتي -أيام الدراسة- إلا مرةً واحدةً، وكان متلهِّفًا لرؤية ابنتي الوحيدة..]

 
فقلتُ له متألِّمًا: نسيتَ يا أبا محمد أنك لما دخلتَ بيتي قلتَ لي: أحضر ابنتَك سارة قبل القهوة؟!

فقال بعد أن تذكَّر: بلى، كنتَ متزوِّجًا من أيام دراستك..

 
حينها رأيتُ أني قد نسيني فِعلاً.. فلم أُطِق استمرار الحديث معه، فقلتُ له: توصي شيئًا يا أبا محمد؟!

ثم تولَّيتُ وعيناي تفيض من الدمع حزَنًا أنْ قد نسيني!

 
لم تطِب نفسي لتقليب الكتب، كنتَ ممزَّق الأحشاء من هذا اللقاء المفاجئ الذي تمنيتُ أني لم أرَه!

كانت عيني تفيض دون أن أتمالك نفسي..

 
حينما عُدت للبيت.. لُمتُ نفسي، وقلتُ: فرصةٌ أضعتُها لعَود المحبَّة.. هَب -يا راشدُ- أنه نسي، فهذا واردٌ لكِبر سنّة، وكثرة أشغاله، وطول الفراق..

لُمتُ نفسي.. وعضضتُ أصابعي.. لكنّ الفرصة فاتت وقد كان الرياح مواتية..وأنا من انفضّ عنه.. واحسرتاه!

 
[١٢]

 
تمر الأيام، وتمضي سبعةُ أعوام..

سبعٌ عِجاف.. ما أشدَّها، وما أجلدني وأصبرني!

تمرُّ.. وما يزال بصيص الأمل بالعَودة يدغدغ قلبي.. ما زلتُ أتفاءل بلقاءٍ معه قبل لُقيا الجِنان..

 
شيءٌ واحدٌ كان يتنقَّل في مداركي، فحينًا يكون وهمًا، وطورًا يصبح شكًا فظنًا فيقينًا!

 
إنّ أبا محمد قد خبرتُ قلبَه مع خصومه.. إنه أبيض كاللبن، باردٌ كالثلج، لا يحسد أحدًا، ويحب الخير لجميع الناس..

 
لا يمكن أن يكون قد أبغضني.. ربما أراد تأديبي وقتًا؛ ليرى هل أعتذر وإن طال الأمد أو لا..

 
إنني أكاد أقطع بأنه يفكِّر بي، ويشتاق إليَّ.. ويحنُّ لمجالسنا.. لكنَّه يتجلَّد..

 
وأخاطبه بما يقوله أبو العباس الناشئ:

 
عيناك شاهدتانِ أنك منْ *** حرّ الهوى تجدين ما أجدُ

 
بكِ ما بنا، لكن على مضضٍ ** تتجلدينَ، وما بنا جلدُ !!

 
فأجد نفسي لا أستطيع الصبر عنه، ولا أرى فيه بدلاً.. ولا في تركه راحة، كيف وهو الفقيه الغوّاص، والأديب الأريب، والشيخ الصالح.. فأجدني أتمثّل في نفسي قول الشاعر:

 
 
ما أحسنَ الصبرَ وأمَّا على ** أنْ لا أرى وجهَك يومًا؛ فلا

 
لو أنَّ يومًا منك أو ساعةً ** تُباع بالدنيا إذًا ما غلا!

 
[١٣]

 
في يومٍ أصبحتُ فيه منشرحَ الصدر على غير العادة، كأني أنتظر مفاجئةً من العيار الثقيل، ولا أدري ما هي..!

 
دخلتُ حسابي في تويتر، فرأيتُ الشيخ صالحًا أبا محمَّد قد عمل لي تفضيلاً لإحدى تغريداتي!

قفَّ شعري من هذا الصنيع، بلا شعور قمتُ بمتابعته، ولم أكن أتابعه ولا يتابعني..

وكتبتُ على (منشنه) بحياء:

"حياك الله شيخنا"..

لأراه يسارع بإضافتي، ويردّ على الخاص:

 
"وعليكم السـلام ورحمة الله وبركاته.."

 
فكتبتُ له:

 
"‏سلامٌ من الله على روحك الطاهرة.."

 
فردَّ:

 
"‏الله يسلمك ويحييك قد أقبل موسمكم الإجازة أرجو أن ترزق استثمارها"!

 
فعجبتُ كيف أنه يردُّ هذا الرد..

فأنا في وادٍ.. وهو في واد..

 
شيءٌ ما لم أخبركم به عن أبي محمد..

إنه عند الفيئة والرجوع لا يحب فتح الملفات القديمة، ولا أوجاع الماضي، إنه يحبُّ فتح صفحات جديدة بيضاء، وإغلاق ما مضى..

 
لكنني -ببشريّتي- لستُ يوسفَ فأقول: (لا تثريب عليكم..) ثم أبدأ معه صفحةً من جديد..

 
إنني أثوِّر ملفات الماضي لا لأعاتبه.. فالعُتبى له وحده فهو شيخنا.. ولكن لأريَه أيَّ ألم كنتُ أعيشه بسببه..

 
إنني المفؤودُ في "سبعٍ عجافْ" ** وأنا المدفوعُ عن تلك الضفافْ

 
إنني مَن عاش ملتاعًا بمَنْ ** قطَّع الأوصال واستحلى الجَفافْ!

 
لقد خشيتُ إن سكتُ وانتهيتُ حيثُ انتهى سؤالُه أن أفوِّتَ الفرصةَ مرَّةً أخرى كما فاتت في المعرض..!

 
الآن أُسقِط قناع الكذب الزائف الذي ألبستُه وجهي بأنني قد تناسيتُه..!

 
الآن .. والقلبُ ينتفض بأُذَينه فرحًا، وبِبُطينه قلقًا..

 
سارعتُ فكتبتُ إليه:

 
"‏شيءٌ واحدٌ لم أستطع الانتصار فيه على نفسي؛ وهو أن أوهمها وأكذبها بأنك لم تعد في قلبي..

‏فوالله، مَن أحبَّ لله= شقّ عليه نقض العُرى!"

 
"و‏قبل شهرٍ ونصف.. جئتُ إلى بيتِك، وأسبلتُ دمعتي ثم انصرفتُ!"

 
‏"لا أحب أن أؤذيك -يا أبا محمد- بفتح ملفاتٍ قديمة..

‏أمنيتي أن يلهمني الله الدعاءَ لك ما حييتُ..

‏هذا يكفيني"

 
فردَّ عليَّ:

 
"‏لم يكن عتابي لشيءٍ أريده لنفسي.. فإذا قصدني أحدٌ بطلب خدمة فرحتُ بخدمته ويشق علي الاعتذار، وقد طلب مني ما طلبته منك.. اقلب الصفحة"

 
"‏لا أريد أن أكدر عليك.. ‏ولو اعتذرتَ من الابتداء كان أهون علي"!

 
حينها أُصِبتُ بشبهِ انهيار!

وأيقنتُ وعلمتُ قطعًا؛ أنه يقصد المادَّة العلميَّة التي طلبتها مني..

وتيقَّنتُ أيضًا أن الرسالة التي أشرتُ إليه في الفقرة [٥] لم تصله، والتي قُلتُ له فيها:

 
"قد طلبتُ الشيخَ ثلاث مرات، وماطلني، والاستئذان ثلاث، فلك مني إن أعطاني أن آتيك بها"..

 
ولم يرد على رسالتي، وقلتُ لعله كان مشغولاً..

 
الآن أيقنتُ أنني لما أرسلتُ له الرسالة، وخرجت من جوالي؛ أن إبليس اللعين قد نهض من عرشِه، وقطع كل شبكات الاتصالات في وقتِ الرسالة؛ لئلا تصله، فيحظى بهجر مَن قد يضرب الزمان مثلاً بمودَّتهم!

 
يا إلهي..

لقد كان سببُ الهجر أنه رآني مهلاً طلبَه، متجاهلاً أمره، (مُطنِّشًا) ما وعدتُه..!

 
لقد رآني راسبًا من امتحان المحبَّة، لا أقيم لطلب الحبيب وزنًا ولا قدرًا!

 
قد كان ما كان (مِن أسباب وحشتنا) **  فغُضَّ طرفًا (ولا تعجبْ لآلامي)!

 
حينها قلتُ له:

 
"‏إلى ساعتي هذه لا أعرف السبب، وقد تكلّفتُ التفكير في تتبع وسبر واستقراء سبب الهجر، وما اهتديتُ له..

‏والآن ترجّح لي أحدها، وهو المادة العلميّة التي طلبتَها.."

 
"‏فإن كان ذلك كذلك.. فالله وحده يغفر لشيخنا المذكور، فقد كان والله يعدني كل يوم بإعطائي"!

 
فقال:

 
"‏قد نسيت ما حصل.. ربما كنتُ قاسيًا فاعذرني"

 
فقلتُ:

‏"لم تكنْ قاسيًا يا أبا محمد..

‏النوم كان قاسيًا..

‏الليل كان قاسيًا..

‏جُرح القلب كان قاسيًا..

‏كل شيء حولي حينها كان قاسيًا!"

 
"‏عمومًا؛ لم أكن سوى غلامٍ قُدِّر عليه التأديب، وقد أحسنتَ تأديبي، وقد رضيتُ عنك في هجرك إياي.. 

‏فوالله لرضاك في شيءٍ يؤذيني أحبُّ إليّ من سخطك في شيء يسليني!".

 
ثم أجهشتُ .. وصوَّرتُ له عينيَّ بدموعها.. وأرسلتُها له..

 
فقال:

"دموعك عزيزةٌ على أخيك، والعتاب صابون القلب، فاطوِ هذه الصفحة.."

 
فقلتُ:

"‏سأطوي ذِكرها إرضاءً لك، وسدًا لأذيتك..‏

‏لكن أنّى للمفؤود أن ينسى ودًا عُلِّق فجأةً على مشنقة الحياة!


‏ألا ؛ فليغفر الله لك أبا محمد.."

 
‏"فو الله ما خطيئتي بأعظم من قطع حبال ودّ من صفّاك الود في زمن الكدر!

‏فلبثتُ في سجن الهجر بضع سنين!"

 
فإذا به يرقُّ -وهو الرقيق- ويقول بألم:

 
"أتفق معك..

لقد أحببتُك بصدقٍ..

وفؤادي قد غُمِر بحبِّك وإن جفاك..

‏ولم يكن الهجر لقلة المودة.. ولكني كنتُ أسأل نفسي: هل كان يبادلني المحبة وعند أول طلب أطلبه منه يتعثر؟!"

 
فقلتُ له:

 
أحببتني بصدقٍ.. وهجرتني بصدق.. فالصدق في الحالين لك! Smile

 
فكتبَ إليَّ وأخطأ في الكتابة:

 
"‏أعتذر لك يا حبيبنا ولعلي أرام قريبت"..

إنه يقصد:

"‏ولعلي أراك قريبًا"!

 
ثم أردَف:

"‏ربما الخطأ في الرسالة السابقة كان بسبب ما استدعيتَه من عيوني"!

 
فتألمتُ أن عرفت أنَّ أبا محمَّد قد فاضت عيناه، بعد مشيب رأسه ولحيته..

 
فقلتُ له:

 
"آلله.. تبكي يا أبا محمد؟!"

 
فقال: نعم..!

 
فكتبتُ إليه:

 
"‏والله إنّ العُتبى في كل الأحوال لك وحدك.. 


‏ولم أكن سوى غلامٍ قُدِّر عليه التأديب، فرضي بالمقدور، وتعلّم من الحياة..!

 
‏والله لا أجعلك في حِلٍّ إن طلبتَ الاعتذار مني، ولا بورك تلميذٌ يستشرف لاعتذار شيوخه، فضلاً أن يطلب ذلك منهم..


‏لك العُتبى..

‏وأنا المخطئ.."

 
ثم كتبتُ إليه:

 
(‏رحماك با ربّ!

‏والله إن قلبي يخفق، وروحي تكاد أن تخرج..

سبع سنوات عجاف مجدبة.. تُمطر عليها رسالة تويترية، فتحيى الأرضُ بعد يَباس؟!)

 
ثم طلبتُ رقم جواله..

 
حينها..

فرحتُ بترغيم الشيطان..

فرحتُ بعودة الحب القديم..

فرحتُ بوصل أبي محمد..

 
 
[١٤]

 
بعد سبعة أيام من الوصل وارتواء القلب بعودته.. سافرتُ إليه.. فليس له عندي قميصٌ لأجِد ريحَه..!

 
حينما وصلتُ داره.. ارتجف قلبي.. كيف سأقابل أبا محمد؟!

منذ سبعة أعوام لم أقف على هذه العَتَبة..

حاولتُ استجماع قواي، لأظهر (قويًا من غير عُنف، ليِّنًا من غير ضعف)..

فما إن طرقتُ بابَه حتى خرج، ورأيتُه..!

 
أقبلتُ إليه.. وعانقتُه عِناقًا ما عنقتُ أحدًا مثله من قبل..

عناقًا طويلاً.. لولا حيائي منه من فككتُه..!

عناقًا طويلاً بحنينٍ وأنينٍ وخنين!

عناقًا لم أتمالك نفسي حتى وجدتُ نفسي أبكي على كتفه..

 
هذا العناق كان قد ردَّ على قلبي ما فاتني من وصله، وسدَّ في فؤادي ما انفطر بفقده، وشدَّ في جَناني ما انقطع من وداده..!

 
كان عناقًا كأنه الحياة!

 
هنا.. دخلتُ الدار، وتحادثنا حديث الروح والشجى..

والشجى يبعثُ الشجى..

كانت جلسة حُبٍّ وألم.. وحنين وأنين وخنين..

 
رأيتُ أولاده وقد كبروا..

والدار وقد تغيَّرت..

 
لكنه هو هو .. أبو محمد بعزمه وهمّته..

بعلمه وفقهه.. بمروءته وشهادته.. بتواضعه وهضمه لنفسه..

 
بدأنا صفحتنا من جديد..

وأشرقت شمسٌ بعد كسوف..

 
واستفدنا مما مضى..

 
وأنتم.. استنبطوا ما شئتم من عبر هذه القصة، والسلام!

الشرقيَّة.. 

٢٠ - ٨ - ١٤٣٥ هـ


غعشرون خريفًا | كنُور الصبحِ | "مشروع شهيدة"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد الليثى
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
محمد الليثى


سبعُ عجاف!  Empty
مُساهمةموضوع: رد: سبعُ عجاف!    سبعُ عجاف!  I_icon_minitime11/2/2019, 1:03 am

السلام عليكم
جزاك الله خيرا اخى الكريم قصه جميله فيها صدق احساس واقل واقعيه ولكنها ربما لا تنتهى هذه النهايه السعيده دائما  وفق ما عاينته من قصص مشابهه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سبعُ عجاف!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المؤمنين والمؤمنات :: {{{{{{{{{{استراحة المؤمنين والمؤمنات}}}}}}}}}} :: استراحة المؤمنين والمؤمنات-
انتقل الى:  





انت الزائر رقم ---------

http://almoumnon.1forum.biz/