من سنن الله تعالى في خلقه سنّة التّفضيل، وقد أكرم الله أمّة الإسلام بجعلها خير أمةٍ أخرجت للناس، ولم يكن هذا التفضيل مطلقاً دون ضابطٍ أو قيدٍ، بل جاء مقروناً بتكليف الأمّة المسلمة بمهامٍ جسامٍ وأدوارٍ عظامٍ، فصارت الخيرية مقرونةً بتلك القيود، وفي هذا دعوةٌ لا تخفى على كلّ ذي لبٍّ إلى ضرورة تحقيق ما يضمن الخيرية ويديمها، خاصةً إذا علم المسلم أنّ الله -عزّ وجلّ- قد ختم بالإسلام الرسالات الإلهية؛ فلا نبي بعد محمد -صلّى الله عليه وسلّم-، ولا شريعةً بعد شريعة الإسلام، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فما هي الخيرية المرادة في قول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
هذا العنوان المبارك مقتبسٌ من آيةٍ مباركةٍ من سورة آل عمران، وهي آيةٌ تحمل تكليفاً عظيماً شريفاً للأمة الإسلامية، وتفصيل الآية ومقصودها على النحو الآتي قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)  يُخاطِب اللهُ تعالى المسلمين جميعاً أنَّهم حازوا الخيرية والكرامة عند الله من بين كافّة الأمم، وأنّ هذه الخيرية مشروطةٌ بقيامهم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان به تعالى، فكانت هذه ميزةً لأمة الإسلام فاقت بها من سبقها من الأمم بكونهم أنفع الناس للخَلق؛ حيث جمع المسلمون عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله -عز وجلّ- بين السعي في تكميلِ الخَلق بحسب إمكانهم، وبين تكميل أنفسهم بالإيمانِ بالله تعالى، والقيامِ بحقوق الإيمان، وقد جاءت أحاديث نبوية توضّح خيرية الأمة وكرامتها عند الله تعالى وتؤكّد عليها، وفي ذلك يقول معاوية بن حيدة -رضي الله عنه- سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول في قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ): (إنَّكم تُتمُّونَ سَبعينَ أمَّةً، أنتُمْ خَيرُها وأَكْرمُها علَى اللَّهِ)، وممّا يؤكّد هذا المعنى أنّ المدح الإلهي لأمة الإسلام قابله ذمٌّ لأهل الكتاب الذين تنكّبوا لطريق الدعوة، حيث ذمَّهم الله-سبحانه وتعالى- في آيةٍ أخرى؛ فقال: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) الدلالات التربوية للآية: تحمل الآية الكريمة دلالاتٍ تربويةً عظيمةً تضع الأمّة أمام مسؤولياتٍ عظامٍ، ومن أبرز هذه الدلالات: يجدر بالأمة أن تُدرك أنّها خير أمّةٍ أخرجها الله تعالى لِلناسِ، وهذا يدعوها لتعرف قيمتها ومنزلتها، وتعرفَ أنَّه أُريد لها أن تكون طليعةً في الأمم، وصاحبة القيادة، إذ إنّ اللهُ -عز وجل- يُريد أن تكون القيادة والريادة في الأرض للعناصر الخيّرة فيها، ومن هنا كان لزاماً على أفرادها أن يقدّموا للبشرية الاعتقاد والتصوُّرِ الصحيح بعلمٍ ومعرفةٍ سليمةٍ، وأن يكونوا الأنموذج في الخُلق القويم. في الآية بيانٌ لمناط رِفعة الأمّة وسبب خيريّتها، متضمِّنةً دعوة الناس إلى الله، فكلّما عظمت هذه السمة في الأمّة زاد الخير فيها، وكلَّما ضَعُفت ضَعُف الخير فيها وفي الناس. أشارت الآية الكريمة إلى ضرورة العناية بتحقيقِ الإيمان؛ على اعتبار أنّه القاعدة الأساس والميزان العدل للقِيم والمبادىء، ومن خلاله يتّضح التصوُّرَ الثابت للفضيلة والرَّذيلة، كما أنّ الإيمان هو الوقود الروحاني للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في طريق الدعوة وتحمّل تكاليفها.