تعدّ الرحمة خُلقاً عظيماً من أخلاق الإسلام، وهي تؤدي إلى التآزر، والتعاون بين الناس، كما يعدّ من شرفها، وفضلها أنّها صفةٌ من صفات الله جلّ جلاله، فمن أسمائه المشتملة على الرحمة، الرحمن الرحيم، وهما صيغتا مبالغةٍ من الرحمة، ويعدّ اسم الله الرحمن أبلغ من اسمه الرحيم، فلا يسمّى بالرحمن غير الله تعالى، أمّا الرحيم، فيُمكن أن يطلق على غيره، وقد جاء في القرآن الكريم عددٌ من الآيات التي يصف الله تعالى بها نفسه بالرحمة، حيث قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- عدداً من مظاهر رحمة الله بعبادته، منها ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي، فهو ليس بحاجةٍ إليها، إلّا أنّها جاءت رحمةً بهم، ومن رحمته بهم أيضاً، أن نغّص عليهم الدنيا، فجعلها دار ابتلاءٍ وكدرٍ، حتى لا يركنوا إليها، ويطمئنوا فيها، بل يسعوا لينالوا النعيم المقيم في الآخرة، فكان منعه للناس عطاءً، وابتلاؤه لهم معافاةٍ، ومن رحمته بهم، أنّه حذّرهم نفسه، حتى لا يغترّوا به، فيسيؤوا معاملتهم معه، ثمّ إنّه أنذرهم عذابه بإنزال كتبه، وإرسال رسله عليهم السلام. ومن رحمة الله تعالى بالعباد، أنّه شرّع لهم من الأحكام، والأخلاق، والمبادئ ما يُصلح معيشتهم، وما يُنجيهم في آخرتهم، فإنّ من امتثل أوامر الله تعالى، واجتنب نواهيه، ووقف عند حدوده، نال بذلك رحمته، كما أنّه رحم عباده بقبول التوبة منهم، فمن أذنب، ثمّ تاب إلى الله تعالى عن ذنبه، قبل الله توبته، وتجاوز عنه، ومن رحمته بهم أن كتب للمؤمنين ثواباً على أفعالهم، وجعل للصابرين جزاءً على صبرهم، فقال الله تعالى: (وبشر الصابرين*الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ*أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، وإنّ الناظر في القرآن الكريم يلاحظ أنّ سوره كلّها، عدا سورة التوبة قد افتُتحت بالبسملة، والتي تحتوي على اسمي الله سبحانه الرحمن الرحيم، مع أنّه كان من الممكن أن يفتتح الله تعالى كلامه بغيرها من صفاته العُلا، أو أن يُبقي على صفة رحمةٍ واحدةٍ، ويجعل الأخرى صفةً تؤدي إلى التوازن في نفس المستمع بين الرحمة والعقاب، إلّا أنّ الله قدّم الرحمة على الصفات كلّها، وجعل التعامل بها مع العباد هو الأصل، الذي لا ينهار أمام غيره من الأصول .