إن ما يُميز الشريعة الإسلامية أنَّها مُتوافقة مع العقل والعلم، فلم تأمر الشريعة بشيء يخالف العقل، والمنطق السليم في تفاصيلها، مع إنَّ العقل البشري لا يُمكنه الإحاطة بالحكمة من شرع الله -تعالى- لبعض الأُمور ونهيه عن بعضها، ومن ناحية العلم فقد جاءت نصوص الشريعة والوحي تؤكّد على أهميّة العلم في حياة الناس، ويعدُّ العقل الملكة التي تميَّز بها الإنسان عن باقي المخلوقات من ناحية التفكير والسلوك، وتتباين هذه الملكة من شخصٍ لآخر، ويكون التمييز بين العاقل وفاقد العقل على أساسه سواء أكان هذا الفقد كلياً أو جزئياً، وقد تناولت العديد من الفلسفات مفهوم العقل، فمنهم من منح العقل السلطة المُطلقة، ومنهم من نحّى بالعقل منحىً بعيداً عن مفهوم الحياة، فجاء الإسلام الذي أعلى من مكانة العقل الذي لولاه ما فُهِمت نصوص النقل، ويعرف العقل في اللغة بأنّه العلم بِصفاتِ الأشياء من حيث الحُسن والقبح، والكمال والنقص، أو العلم ُبخيرِ الخيرين وشر الشرَّين. أمَّا عن مكانة العقل عند من أدرك بأنَّه وُجد لفهم أحكام الشريعة، يقول ابن الجوزي رحمه الله: "فإنّ أعظم النعم على الإنسان العقل، لأنّه الآلة في معرفة الإله سبحانه، والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل"، فيوصف الشرع كالشمس، أمَّا العقل فهو كالعين، فإن فُتحت العين وكانت سليمة استطاعت أن ترى الشمس، ويُقسِّم العلّامة الشوكاني -رحمه الله- العقل إلى عقلين وهما: عقل غريزي، وعقل مُكتسب، والغريزي هو المُقدَّرات العقلية من فهمٍ وإدراكٍ وهو مناط التكليف، فمن لا يملك العقل لا يُكلَّف.
إنَّ مما يُحقق كمال العقل، ويُتم نوره، ويزيد الانتفاع به، الهداية بنور الله تعالى، فحاجة العقل إلى الشرع كحاجة العين إلى النور، فإذا اشتبهت الأُمور وتشابكت السبل يكون في اتباع العقل للشرع هدايةً له إلى الرُشد، والابتعاد عن الشرع سببٌ في تيه العقل وانحداره وهلاك صاحبه، وقد امتدح الله -تعالى- من اهتدى بنور الوحي، وبشَّره بالسعادة والرضا من الله -تعالى- بالدنيا والآخرة، كما ذمَّ المعرضين عن الوحي ووصفهم بالأنعام، ولمَّا كان للعقل هذه المكانة، كان إضعافه أو إذهابه بأيّ طريقة جريمة نكراء، فإنَّ جناية الإنسان بإرادته على عقله، وتغييب رشده، يُغضب الله -تعالى- ويؤدي به للتخلي عن الفضائل، وبينما يظن هو أنَّه يسدّ الباب أمام مشكلاته يقع فيها؛ لذا كان من الكليات التشريعية في الدين الإسلامي تحريم تعاطي كل ما يُضِر العقل، وكذلك ما يضر النفس، والدين، والعرض، والمال؛ حتى يعيش الإنسان كريماً محترماً مأموناً من الشرور والأخطار، فتطيب له الحياة، ويسعد في الآخرة  وقد انفرد العقل في الأديان السماوية عامةً والدين الإسلامي خاصة بمنزلةٍ رفيعةٍ؛ فهو شرف الإنسان، وسببٌ لتمييزه عن باقي المخلوقات، ودائماً ما تربط النصوص الدينية بين الوقوع في الذنوب والمعاصي وقلة العقل، وقد حثَّت الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على إعمال العقل في جميع الأُمور؛ كما كرَّم الله -تعالى- العقل حين جعله سبباً للتكليف، فالعقل طريق الإيمان؛ وبه تظهر طرق الحق، والخير، والهدى، لذلك يقول الله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، فالقرآن الكريم مليءٌ بالآيات التي تدعو إلى التدبّر، والتفَكّر، وإعمال العقل، يقول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)،
 كما اهتم الاسلام لمعرفته على حقيقته، ويكون العلم بالعديد من الأُمور؛ كالعلم بالعقائد، والعلم بالطبيعة، وغير ذلك من العلوم والمعارف التي يجتهد الإنسان في الوصول إلى حقيقتها، وقد عُرف اهتمام الإسلام بالعلم بشكل كبير، يقول تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)،وفي هذه الآيات الكريمة أمرٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولأُمّته من بعده بالتعلم، والحرص على جميع العلوم النافعة في الدنيا والآخرة، ولا يقتصر هذا الأمر على العلوم الشرعية على الرغم من مكانتها العالية وضرورتها للعلو بالمسلمين إلى أعلى الدرجات، يقول ابن عباس رضي الله عنه: "للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمئة درجة"، فمن جمع بين استقامة الأعمال، والأفعال، والإقبال على العلوم النافعة، وتعليمها للناس استحقَ هذه الخيرية، وتعدُ المسافة بين العالم والعابد كبيرة؛ فالعابد ينتفع بعبادته، أمَّا العالم فينتفع وينفع الناس بعلمه.