منتدى المؤمنين والمؤمنات
عن عبادة بن الصامت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -
أنه قال :
من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

فأتاهُ رجلٌ فَناداهُ : يا عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ ، ما تَرى في رجُلٍ قتلَ مُؤمنًا متعمِّدًا ؟ فقالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا قالَ : أفرأيتَ إِن تابَ وعملَ صالحًا ثمَّ اهتَدى ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، وأنَّى لَهُ التَّوبةُ والهُدى ؟ والَّذي نَفسي بيدِهِ ! لقَد سَمِعْتُ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ثَكِلتهُ أمُّهُ ، قاتِلُ مؤمنٍ متعمِّدًا ، جاءَ يومَ القيامةِ آخذَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ ، تشخَبُ أوداجُهُ في قِبَلِ عرشِ الرَّحمنِ ، يلزمُ قاتلَهُ بيدِهِ الأخرى ، يقولُ : يا ربِّ سَل هذا فيمَ قتلَني ؟ وأيمُ الَّذي نفسُ عبدِ اللَّهِ بيدِهِ ! لقد أُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ ، فما نسخَتها مِن آيةٍ حتَّى قُبِضَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، وما نَزل بعدَها مِن بُرهانٍ
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر - المصدر: عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم: 1/552
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح







منتدى المؤمنين والمؤمنات

-- قال صلى الله عليه وسلم وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء “
 
الرئيسيةالأحداثمكتبة المنتدىالمنشوراتالتسجيلدخولفيسبوك المؤمنون والمؤمنات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. ...
فهذه رسالة مختصرة إلى أهل الثغور في الشام،
وكما لهم حق النصرة فلهم حق النصيحة، فأقول:١
1--
عليكم بالاجتماع، فإن لم تجتمعوا على كمالٍ في الحق فلا تتفرقوا
بسبب نقص بعضكم، لا تفرقكم بدعة ومعصية فإنكم تقابلون كفرًا،
فقد اجتمع المسلمون على قتال العبيديين وقائدهم خارجي،
وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أهل بدع.




٢---
بالفرقة تُهزم الكثرة، وبالاجتماع تنصر القلة، ولن تنتصروا حتى تقتلوا هوى النفس قبل قتل العدو، فالهوى يقلب موازين العداوات فتنتصر النفوس لهواها وتظن أنها تنتصر لربها،
وقليل الذنوب يُفرق القلوب، قال النبي ﷺ: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) لم يمتثلوا باستواء صفوف الصلاة فتسبب بانـحراف القلوب،
فكيف بانـحراف صفوف الجهاد ولقاء العدو، فإن اختلفت القلوب فالتمسوا سبب ذلك في سوء الأعمال .



3----

إنكم في مقام اصطفاء ومقام ابتلاء، فمن أعلى مراتب الجنة جُعلت لمقاتلٍ قاتل لله، وأول مَن تُسَّعَر بهم النار مقاتل قاتل لهواه .

٤)----
إياكم وحب الاستئثار بالأمر وقد حذّر النبي ﷺ من (الأثَرَة) فاجعلوا همّكم نصرة الدين لا صدارة حزب وجماعة .

٥) ----
لا تخدعكم الألقاب فتوالوا لها وتعادوا عليها، فالله لا ينظر إلى ألويتكم وراياتكم وأسماء جماعاتكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،
لا تختصموا على اسمٍ فمهما بلغت أسماؤكم شرفاً فلن تكون أعظم شرفاً من كلمة (رسول الله) حيث محاها رسول الله بيده من صلح الحديبية
عندما نازعه المشركون عليها وذلك حتى يُمضي الحق وصالح الأمة .

٦)
----

ألقابكم اليوم لا تُفضّل أحد على أخيه ولا جماعة على أخرى وإن تنوّعت، فلا تسموا أنفسكم بأسماء فتجعلوا منها تشريعًا،
وولاءً وعداءً فإن كان منكم (أحرارًا) فليس البقية عبيدًا، أو (نصرة) فليس البقية خذلة، أو (دولة) فتقسموا الناس إلى تابعين أو مارقين،
فهذه أسماء ليس لكم منها إلا حروفها تتعارفون بها وتجمعكم لا تفرقكم، والعبرة بأعمالكم، فما ينفع (حزب الله) اسمه عند الله

٧)
 
لا يجوز لأحدٍ أن يجعل جماعته وحزبه قطبَ رحى الولاء والعداء، فلا يرى البيعة إلا له ولا يرى الإمارة إلا فيه،
ومن رأى في نفسه ذلك من دون بقية المسلمين فهو من الذين قال الله فيهم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)
قال ابن عباس لما قرأ هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم
إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله
وبالاختلاف والتنازع يذهب النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) قال قتادة: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
٨) ---
لا يصح فيكم اليوم وأنتم في قتال وجماعات أن ينفرد أحدٌ ببيعة عامة يستأثر بها ولوازمها عن غيره وإنما هي بيعة جهاد
وقتال وثبات وصبر وإصلاح ونـحو ذلك، ولا يصح من أحدٍ أن ينفرد بجماعة منكم فيُسمى (أمير المؤمنين) وإنما أمير الجيش
أو الجند أو الغزو، فالولايات العامة مردّها إلى شورى المؤمنين لا إلى آحادٍ منهم، والألقاب استئثار تفضي إلى نزاع وقتال
وفتنة وشر، وإنما صحت الولاية الكبرى من النبي ﷺ لأنه ليس في الأرض مسلم سواه ومن معه، وليس في
الأرض خير من نبي ولا أحق بالأمر منه، فلو استأثر فهو نبي لا يرجع لأحدٍ ويرجع إليه كل أحد .

9---- لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، فاتقوا الله في دمائكم، واحذروا مداخل الشيطان في تسويغ القتل وتبريره فتأخذوا أحداً بظن العمالة أو التجسس
أو التخذيل فالله حذر من الظنون التي تفسد أمر الأمة وتفرق شملها (اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)
ولا تجوز طاعة أميرٍ في قتل مسلم معصوم ومن أُمر بحرام كقتل معصومٍ فلا تجوز طاعته ولا بيعته حتى بيعة قتال،
 ولو بايعه فبيعته منقوضة، ولا يجوز لأحدٍ أن يمتثل أمرًا ظاهره التحريم  حتى يتيقن من جوازه بعلمٍ وإن جهل سأل من يعلم،
حتى لا يلقى الله بدم أو مال حرام، فيُفسد آخرته بجهل أو تأويل غيره، فالله يؤاخذ كل نفس بما كسبت (كل نفس بما كسبت رهينةٍ)
ولا أعظم بعد الشرك من الدم الحرام .

تابع 9 ----

فقد صح من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمّر خالد بن الوليد إلى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:

صبأنا، صبأنا، فأمر خالد بقتل أسراهم، فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره،

قال: فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي ﷺ ورفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين .

فقد عصوا خالدًا لما اشتبه عليهم الأمر، وهذا في دماءِ من الأصل فيه الكفر فكيف بدم من الأصل فيه الإسلام ؟!

10 ----

عند النزاع انزلوا إلى حكم الله كما أمر الله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)
وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
فالنزول عند حكم الله إيمان والنفرة منه نفاق، وإن اختلف اثنان أو جماعتان فليتحاكموا
إلى ثالث من غيرهم، دفعاً لتهمة المحاباة، فقد ورد في الحديث عنه ﷺ قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنّين)
وفي الحديث الآخر: (لا تجوز شهادة ذي غمر (عداوة) لأخيه، ولا مجرب شهادة،
ولا القانع (أي التابع) لأهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)
وقد جاء معناه من طرق متعددة يشد بعضه بعضاً، وهذا في الشهادة وفي القضاء من باب أولى

١١)

احفظوا ألسنتكم فإن الوقيعة في أعراض بعضكم تزيد من أحقادكم على بعضكم، فما يزال الواحد واقعاً
في عرض أخيه حتى يمتلىء قلبه حقدًا وغلاً عليه فيُصدّق فيه ظن السوء ويُكذّب فيه يقين الخير .



١٢)
أحسنوا الظن بالعلماء ورثة الأنبياء واحفظوا قدرهم بالرجوع إليهم والصدور عن قولهم،
وأحسنوا الظن بهم واحملوا أقوالهم على أحسن المحامل، فمدادهم في نصرة الحق أثرها عظيم
وقد جاء عن جماعة من السلف (مداد العلماء أثقل في الميزان من دماء الشهداء)

13)

لا تُرحم الأمة إلا إذا تراحمت فيما بينها، ومحبة الله للمجاهدين ونصرته لهم معقودة
برحمتهم بالمؤمنين وتواضعهم لهم، وعزتهم على الكافرين، فإن من صفات المجاهدين
ما ذكره الله في قوله تعالى
: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).



ومن الله استمدوا النصر والعون هو المولى فنعم المولى ونعم النصير .



الشيخ عبدالعزيز الطريفي ١٧/ من ذي القعدة / ١٤٣٤ هـ
.

شاطر
 

 كلام كتبه سيد قطب رحمه الله قبل اكثر من نصف قرن...

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ولد الشقران
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
avatar


كلام كتبه سيد قطب رحمه الله  قبل اكثر من نصف قرن...  Empty
06062012
مُساهمةكلام كتبه سيد قطب رحمه الله قبل اكثر من نصف قرن...

كلام كتبه سيد قطب رحمه الله قبل اكثر من نصف قرن...
هذا جزء من كلامه ....

إن المعركة في صميمها ستدور في أرض غير أرض الكتلتين ستدور في تركيا وإيران والعراق وسورية ، ومصر والشمال الإفريقي وفي باكستان وأفغانستان ، وفي منابع البترول الإيرانية والعربية ... )

إنها ستدمر مواردنا وتحطم حياتنا نحن وتدع أرضنا بقعاً خرابا يباباً ، وسواء علينا انتصرت هذه أم انتصرت تلك ، فسنخرج نحن من المعركة فتاتاً وحطاماً لا كما خرجت أوروبا من الحروب الماضية ولكن كما لم تخرج أمة من حرب قط ، وإذا كانت هيروشيما قد ذهبت مثلا ، بقنبلة ذرية صغيرة ، فنكون نحن تلك الفئران الصغيرة لتجارب القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية ، وغاز الموت الزاحف ، وأشعة الموت السحرية ، وحرب الميكروبات الطائشة وسائر ما يتمخض عنه الذهن الكافر في دنيا الضمير الغربي الملوث .

إن دعاة الكتلة الغربية هنا يمنوننا بحل قضايانا المعلقة مع الاستعمار ، إذا نحن انضممنا إلى معسكر الرأسمالية الذي يدعونه معسكر الديمقراطية ! كأننا لم ننظم إلى هذا المعسكر مرتين متواليتين ، وكأننا لم نلدغ من ذلك الجحر مرتين .

ادع لكم المقال الذى كتب فى 1951 ( السلام العالمي والإسلام )

سيد قطب


الآن .. وطبول الحرب الأمريكية تقرع لسحق المسلمين .. وإبادتهم .. واحتلال بلادهم وسلب خيراتهم .. كان المفكر الإسلامي الكبير الشهيد سيد قطب رحمه الله رحمة واسعة قد كتب هذا الفصل (والآن) في كتابه السلام العالمي والإسلام (وقد أزيل هذا الفصل من الطبعات التي صدرت بعد سن 1954م) لقد كتب هذا الفصل قبل ما يزيد عن خمسين سنة .. وكأنه ينظر من حجب الغيب – ولا غرابة في ذلك فالمؤمن ينظر بنور الله – وهو يتحدث عن أمريكا أيام إعدادها للحرب الكورية .. وكأنه يتحدث عنها وهي تعد العدة هذه الأيام لحرب العراق ؟ !

والآن ...


الآن .. بعد استعراض فكرة السلام في الإسلام ، والإلمام بفكرة الإسلام الكلية عن الحياة .. الآن بعد معرفة المدلول الكامل لكلمة السلام في الإسلام ؛ هذا المدلول الذي يشمل إقرار السلام في الأرض على أسس من العدالة المطلقة ، ومن الخير الشامل ، تحقيقاً لكلمة الله. وإلا فالجهاد الدائم لتحقيق هذه الكلمة ، والكفاح الدائم لدفع البغي والعدوان ، والصراع الدائم مع الفساد والشر والطغيان.

الآن ما طريقنا نحن الأمة المسلمة ؟ ما موقفنا من الصراع العالمي الذي يدور حولنا. ما واجبنا تجاه الحياة ، وتجاه الإنسانية ، وتجاه أنفسنا ؟

لقد قلت في مطالع هذا الكتاب : إن عقيدتنا الإسلامية تملك أن تسعفنا بحلول عملية لمواجهة مشكلاتنا الداخلية والخارجية. وقد تبين من هذا الاستعراض أن هذه العقيدة لا تفصل بين المشكلات الداخلية والمشكلات الخارجية ، فهي تربط بينها في حياة الإنسانية ، وتربط بينها في وسائل العلاج.

ولقد شهدنا روابط كثيرة بين مسألة السلام العالمي في المحيط الدولي وبين حياة الفرد في ضميره ، وحياته في الأسرة ، وحياته في الجماعة. وشهدنا روابط كثيرة بين مثيرات النزاع والصراع في الميدان الدولي وكثير من المشاعر والنظم والاقتصاديات في داخل الجماعة.

فالآن ما طريقنا ؟ كيف نواجه مسألة السلام العالمي بعقيدتنا الإسلامية ؟ وكيف نتصرف في المجال الدولي طبقاً لهذه العقيدة ؟

قبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن نواجه الواقع العملي في محيط الكتل التي تتصارع اليوم في المجال الدولي. أحب أن نستعرض المبادئ التي يقوم عليها هذا الصراع ، والعوامل التي تدفعه وتؤثر فيه.

فعلى ضوء هذه المواجهة يمكن أن نعرف رأي الإسلام في تلك المبادئ ، ورأيه في هذه الدوافع ؛ وأن نعرف كذلك موقفنا الذي يجب أن نتخذه ؛ وندرك إن كان الموقف الذي تمليه علينا عقيدتنا هو ذات الموقف الذي يحقق مصالحنا ؟ أم إن هنالك تعارضاً بين واجبنا لعقيدتنا ، وواجبنا لمصالحنا ، إن كان هنالك مثل هذا التعارض !

فإذا اتضح أن الحلول التي تمليها علينا عقيدتنا الإسلامية ، هي ذات الحلول التي تمليها علينا مصالحنا ، بل هي ذات الحلول التي تمليها مصلحة الإنسانية العليا وخير البشرية جميعاً .. فإننا نسير إذن في الطريق على هدى ، ونسير فيها بقوة ونسير فيها باطمئنان.

وفي هذه الحالة يصبح الهتاف بتنحية العقيدة الإسلامية عن مجرى حياتنا السياسية أو الاجتماعية لغواً لا يستند إلى دليل ، وهذراً لا يستحق الاحترام.

فنأخذ على بركة الله في استعراض الواقع البشري الذي نواجهه ، لنعرف فيه رأي المصلحة الإنسانية والمصلحة القومية ، ورأي الإسلام.



على حافة الهاوية

ناقوس الحرب يدق. ها هو ذا يقرع سمع البشرية المنكودة الطالع. ولقد سمعته من قبل في أمريكا حتى قبل قيام الحرب الكورية. وكل من عاش في أمريكا في خلال الأعوام الأخيرة يدرك بوضوح أن أمريكا ستحارب. كل شئ ينطق بهذه الحقيقة أو يوحي ؛ التعبئة العامة لكل قوى الشعب وموارده قائمة على قدم وساق ؛ وما يغطي هذه التعبئة إلا ستار رقيق من الديبلوماسية ، قد يحجب الحقائق في خارج أمريكا أما في داخلها فهي أبرز من أن يحجبها ذلك الستار.

وكل من يتتبع الصحافة الأمريكية ، وأجهزة الدعاية الأخرى في الإذاعة والسينما – بل داخل الجامعات والمعاهد – يدرك بوضوح أن هذه أمة تستعد للحرب – الحرب القريبة – وأنها تعبئ الرأي العام ، وتعده إعداداً ثابتاً كاملا ً شاملاً ؛ وأنها إن لا تكن هي الحماقة المؤكدة في إنفاق كل هذه الجهود فإنها الحرب المؤكدة إذن ، وعن قريب.

إن أمريكا تريد أن تحارب ؛ ولو طاوعتها أوربا لما صبرت عن الحرب حتى حادث كورية ؛ فلقد كانت تريدها حرباً كاملة منذ أزمة برلين المعروفة [1] ؛ ولكن أوربا المحطمة كانت أعجز من أن تلبي رغبة أمريكا الملحة وهي ما تزال تلعق جراحها ، وتعالج مآسيها ، فضلاً عن أن للشيوعية فيها قوى مذخورة ، تتهيأ للحظة المنظورة ؛ وإغراء الدولار كان يملك أن يصنع كل شئ في أوربا ، إلا أن يدفعها إلى حرب عالمية ثالثة .. ولهذا وحده صبرت أمريكا.

إن رؤوس الأموال الأمريكية في حاجة ملحة إلى حرب جديدة. هذه هي المسألة. إن الفتوحات العلمية التي أسرعت خطاها في الحرب الماضية ، والتجارية التي أفادتها الصناعة من تعبئة المـوارد في أيام هذه الحرب ، قد هيأت للصناعة الأمريكية فرصاً جديدة لمضاعفة الإنتاج ، في الوقت الذي أصبحت مسألة التصريف مسألة عسيرة.

ومع أن الأسواق كانت بعد الحرب خاوية ، وفي حاجة ماسة إلى الإنتاج المدني ، وخالية من المنافسة الأوربية. إلا أن القدرة على الشراء كانت ضعيفة ، وبخاصة في أوربا المحطمة. ومعنى هذا هو الكساد بالقياس إلى الإنتاج الأمريكي ؛ ومعنى الكساد هو الخسارة المؤكدة لرؤوس الأموال الأمريكية.

ومن هنا كان « مشروع مارشال » ، وكانت لهذا المشروع غايات أساسية ثلاث :

الغاية الأولى : كانت هي تصريف الإنتاج الأمريكي الفائض ، دون أن تدفع الدول المنتفعة به ثمنه نقداً بالدولار الأمريكي ، فقد كانت الحكومة الأمريكية تفتح الاعتمادات للدول الأوربية ، لتنفقها هذه الدول في شراء الإنتاج الأمريكي في الغالب. وحقيقة إن رؤوس الأموال الأمريكية كانت تتحمل ضرائب عالية لتمكين الحكومة من تنفيذ مشروع مارشال ؛ ولكنها مع هذه الضرائب العالية كانت تحقق ربحاً لا شك فيه بتنفيذ المشروع ، وتتقي الخسارة التي تنشأ من الكساد.

والغاية الثانية : كانت هي اتقاء حالة التبطل بين عمال أمريكا ، وما يتبع التبطل من هزات اجتماعية ، بعد وقف الإنتاج الذي كان يستغرق هذه الأيدي العاملة ؛ وكان هذا يقتضي إيجاد منصرف للإنتاج المدني يسمح بتشغيل المصانع إلى الحد الأقصى ، فكان مشروع مارشال وتغذية دول أوربا بالآلات ؛ هو الوسيلة لتحقيق هذا الهدف ، الذي ينطوي بدوره على تحقيق نوع من الربح لرؤوس الأموال الأمريكية.

والغاية الثالثة : كانت هي تعمير أوربا ، وإعادة سير الحياة فيها – وبخاصة حياة العمل – تحقيقاً للنشاط الاقتصادي العالمي كله من ناحية ، ومقاومة للشيوعية في أوساط المتعطلين من ناحية أخرى .. وكان مشروع مارشال يعاون على تحقيق هذه الغاية.

ومن هنا يعد « مارشال » صاحب هذا المشروع – في نظر الأمريكان – أحد رجال التاريخ الأمريكيين. وقد عدته مجلة « لوك » Look أحد « العشرين الذين صاغوا القرن العشرين » لا في أمريكا وحدها ، بل في العالم على الإطلاق.

* * *

ولكن مشروع مارشال لم يكن يمكن امتداده إلى الأبد ؛ فطبائع الأشياء تقتضي وقوفه عند حد معين عندما تصل الأسواق الأوربية إلى درجة التشبع من جهة ، وعندما تصل أداة الإنتاج الأوربية إلى درجة الإنتاج الكامل من جهة أخرى. وقد استعادت أوربا أو أوشكت أن تستعيد قدرتها الكاملة على الإنتاج ؛ وعادت إلى الموقف الذي تصبح فيه مصدرة لا مستهلكة ، ومزاحمة للإنتاج الأمريكي ، لا في الأسواق الأوربية وحدها ، بل كذلك في أسواق العالم الأخرى.

عند ذلك لعبت بريطانيا لعبتها الماكرة التي استغلت فيها سذاجة العقلية الأمريكية ، وقلة خبرتها الدولية. تلك هي لعبة تخفيض قيمة الجنية الإسترليني بالنسبة لقيمة الدولار. فلقد تركت أمريكا تَقْدُمُ عليها تحقيقاً للقيمة الواقعية للدولار في الأسواق لا القيمة الرسمية ؛ وتظاهر بالذعر منها والإشفاق ، وهي تكتم عن حليفتها نية أخرى ! تلك النية التي لم تتبينها أمريكا إلا أخيراً !!

أما النتيجة فكانت هي إغلاق الأسواق في وجه البضائع الأمريكية التي أصبحت أسعارها مرتفعة بالقياس إلى العملة في منطقة الإسترليني. احتفاظاً بهذه الأسواق للبضائع الإنجليزية ، التي لم تتأثر أسعارها بتخفيض قيمة الجنية الإسترليني في منطقة الإسترليني. أما في سواها فقد صارت أرخص بكثير من مثيلها الأمريكاني !

وعندما تنبهت أمريكا أخيراً إلى هذه الخدعة ، أخذت ترد عليها باستنزاف الخامات من الأسواق العالمية ؛ ذلك كي ترفع سعر هذه الخامات في وجه الصناعة البريطانية ؛ وتجعلها أقل قدرة على المنافسة ، لأن ارتفاع ثمن الخامات يجبر الصناعة الإنجليزية على رفع أسعار المنتجات ؛ وبذلك يقع شئ من التعادل بين الأسعار الأمريكية والأسعار الإنجليزية. وقد ارتفع سعر خامات الصوف مثلاً خمسمائة في المائة ، لأن الصوف صناعة إنجليزية رئيسية. وكذلك ارتفعت أسعار معظم الخامات التي تقوم على أساسها الصناعة البريطانية بتأثير هذه الخطة الأمريكية التي جاءت رداً على الخدعة الإنجليزية ! وكان هذا سبباً رئيسياً في موجة الغلاء التي عمت العالم أخيراً ، بجانب الأسباب الطبيعية الناشئة عن الاستعداد للحرب العالمية !

إلا أن هذا الإجراء الأمريكي لم يكن ليزيد على أنه إجراء وقتي ، لمواجهة هجوم معين ؛ ولكن الحالة العامة في الأسواق بالقياس إلى استقبال الإنتاج الأمريكي لم تتأثر تأثراً يذكر. وقد صادف ذلك صدمة كاملة باكتساح الشيوعية لذلك القسم الهام من أسواق العالم وهو الصين ، الصين ذات الخمسمائة مليون من السكان. ربع سكان الأرض على وجه التقريب. وحقيقة إن الصين لم تكن سوقاً أمريكية رئيسية ، ولكن كان المرجو بعد هزيمة اليابان أن تصبح كذلك. فلما اكتسحتها الشيوعية أغلق هذا المنفذ ، وأحسـت رؤوس الأموال الأمريكية بشئ من الاختناق ، كما أحست الدوائر الاجتماعية بالخطر من انتشار البطالة ، وقد بلغت الأيدي المتعطلة قبيل الحرب الكورية نحو خمسة ملايين (نقصت إلى ثلاثة ملايين بعد ابتداء هذه الحرب).

ومن هنا لم يكن بد لأمريكا أن تحارب. وإذا كانت الحرب الكورية قد اجتذبت نحو مليونين من الأيدي المتعطلة ، فإنها لا تصلح وحدها علاجاً للموقف ؛ ولابد من حرب شاملة تجتذب جميع الأيدي العاملة من جهة وتضمن لرؤوس الأموال أرباحاً كاملة من جهة أخرى ! فالحرب بالقياس إلى أمريكا اليوم[2] هي ضرورة حياة قومية ، فضلاً على الرغبة القوية في وقف تيار الشيوعية العالمية بطبيعة الحال. هذا التيار الزاحف ، الذي يغمر في كل يوم أرضاً جديدة ، ويقل في كل يوم سوقاً جديدة.

وإذا كانت أوربا تتلكأ في الاستجابة لأمريكا ، فتؤجل بهذا التلكؤ موعد نشوب الحرب المطلوبة ؛ فإنها لن تتلكأ طويلاً ، لأنها ستجد نفسها قريباً مدفوعة إلى الحرب بنفس الأسباب التي تدفع أمريكا. وفي اليوم الذي يبلغ الإنتاج الأوربي الرأسمالي ذروته ، سيواجه الموقف ذاته بالنسبة إلى الأسواق. وما دامت الشيوعية تزحف ؛ وهي لابد أن تزحف ، تملي لها تلك الأحوال الاجتماعية السـيئة في معظم بلاد العالم ؛ وفوارق الطبقات السحيقة التي تثير الحنق في الصدور ؛ ويغذيها ذلك الجشع الغبي الذي تستمسك به الرأسمالية والإقطاعية ؛ وبخاصة في مناطق الشرق .. ما دامت الشيوعية تزحف ، فهي تغلق ي كل يوم سوقاً جديدة في وجه الإنتاج الرأسمالي في أوربا أو أمريكا .. وهنا تلتقي مصلحة رؤوس الأموال هنا وهناك في محاولة وقف هذا التيار ، واسترداد الأسواق بقوة السلاح. أو على الأقل بالاستهلاك الحربي ، وإنتاج الأسلحة والذخائر وأدوات الموت والدمار. تلك التي تضمن للمصانع أن تعمل ، ولرؤوس الأموال أن تربح ، وللملايين أن تموت !

فموقف أوربا الحاضر ، وتلكؤها في الاستجابة لهاتف الحرب ، ومحاولتها تهدئة الأعصاب الأمريكية الثائرة .. كل أولئك عوامل وقتية للسلام ، وليست ضمانات حقيقية لهذه البشرية المنكودة الطالع ، التي تدفع بها إلى المجزرة مصالح رؤوس الأموال ومطامعها ، وما يكمن وراء هذه المصالح والمطامع من مادية فكرية ، لا تقيم وزناً لأي عامل أدبي أو روحي ، على الرغم مما تملأ به دعايتها من تلويح باسم المبادئ الأدبية ، والأهداف الإنسانية.

في مفرق الطرق

وتقف الكتلة الشيوعية اليوم في جانب ، وفي الجانب الآخر تقف الكتلة الرأسمالية ؛ وتحاول كلتاهما أن تستدرج البقية الباقية من العالم إليها ؛ وأن تستخدم في المجزرة موارد هذه البقية. مواردها البشرية والاقتصادية والجغرافية جميعاً.

فأما الكتلة الرأسمالية بقيادة أمريكا فتستخدم عدة وسائل لهذه الغاية :

تستخدم أولاً عامل التخويف للرأسماليين في كل أنحاء العالم ، وبخاصة في العالم العربي الإقطاعي ، من الشيوعية التي تزحف يوماً بعد يوم ؛ وتناشدهم المصلحة المشتركة بين الاستعمار والرأسمالية ، وتلجأ في ذلك إلى المحالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والرأسمالية العالمية.

وتستخدم ثانياً الضغط السياسي والاقتصادي ، وأحياناً الضغط المسلح ، في البلاد الواقعة في ربعة الاستعمار المباشر وغير المباشر ، كما هو الشأن في مجموعة البلاد العربية.

وتستخدم ثالثاً إغراء الدولار تحت عنوانات كثيرة. منها ذلك العنوان الجديد الذي خلف مشروع مارشال ، وهو عنوان « المساعدات الاقتصادية » وعنوان « النقطة الرابعة » في مشروع ترومان !

وهي على العمـوم تخاطب الطبقات الحاكمة والمستغلة ، ولا تعتمد كثيراً على الجماهير ، لأن مصالح هذه الطبقات معلقة بانتصار الكتلة الرأسمالية. وتبذل جهوداً جبارة في هذا السبيل ، وإن كانت لا تريد في الوقت ذاته أن تلقي بالاً إلى مطالب الشعوب القومية ، لفرط ثقتها بالطبقات الحاكمة والمستغلة ويقينها أن هذه الطبقات لن تعادي الاستعمار عداء حقيقياً في سبيل مطالب شعوبها القومية. وسيظل موقفها كذلك إلى أن تتولى هذه الشـعوب قضاياها بأنفسها ؛ وتبرهن على أنها لا تستنيم لشعوذات المشعوذين من زعمائها وكبرائها ؛ وأنها معتزمة أن تسبب للاستعمار وللجبهة الرأسمالية متاعب حقيقية ؛ وتعرض مصالح هذه الجبهة وجيوشها لأخطار حقيقية في حالة نشوب الحرب .. وعندئذ فقط قد تفكر الكتلة الرأسمالية الاستعمارية في الإنصات قليلاً لصيحات هذه الشعوب !

إن هذه الكتلة تريد أن تضمنا إليها لتستطيع أن تجند من العرب وحدهم مليوناً كما ورد في بعض البرقيات ؛ ثم لتتخذ من بترولنا ومواردنا الغذائية ، ومواقعنا الاستراتيجية عُدَّةً للنصر في المذبحة العالمية المنتظرة ؛ وبخاصة بعد تلك الصفعة القاسية التي أصابتها في الهند الصينية وما تزال تترنح منها.

ولقد قيل في الحرب الماضية : إن المحاربين كانوا يطهرون حقول الألغام أحياناً في الصحراء الغربية بإطلاق الجمال والبغال فيها ؛ فإذا عزت عليهم الجمال والبغال أطلقوا زنوج المستعمرات الإفريقية ، يطهرون بأشلائهم المتطايرة حقول الألغام !

وسواء صح هذا أم لم يصح فإن وظيفة جند المستعمرات كانت دائماً هي تطهير حقول الحرب وتمهيدها للسادة البيض ؛ واحتمال الصدمة الأولى في المعارك الحامية.

وفي هذه الحرب الكورية الحديثة تلقى الألاي التركي الذي ذهب إلى هناك نفـس المصير ، وقام بنفس الدور. ولن يختلف مصير المليون من الخراف العربية التي سيقدمها السادة هنا لحلفائهم الطبيعيين عن مصير جُند المستعمرات والألاي التركي في الحرب القادمة لو قُدّر لها أن تثور !

وأما الكتلة الشيوعية فتخاطب الجماهير الكادحة. تخاطب الملايين التي تنتج كل شئ وتجوع. تخاطب المعْدات الخاوية ، والأجسـاد العارية. تخاطب الضحايا التي طال عليها الإهمال ، وطال عليها الحرمان ؛ وأصبحت تستجيب لكل من يُلَوِّح لها بالرغيف ، وكل من يعدها الخلاص من الترف الفاجر الداعر الذي تزاوله على مرأى منها ومسمع فئة قليلة العدد ، فاحشة الموارد ، بينما الشظف الكاف السافر يحيل هذه الملايين الكادحة حطاماً ، ثم يفتت ذلك الحطـــام !

وهي تستخدم كذلك أخطاء الاستعمار وجرائمه ، ورغبة الشعوب المستعبدة في إلقاء هذا النير عن أعناقها ، والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يغتصبها الاستعمار الفاجر الآثم ، بمعاونة الخونة من المستغلين في هذه البلاد. كما تستفيد من مقاومة الصليبية الغربية والرأسمالية المحلية لكل دعوة إسلامية حقيقية ، وكل عدالة اجتماعية إسلامية.

وعلى أية حال فإن كلتا الكتلتين تحاول أن تلقي في روع البقية الباقية من العالم ، أن ليس للبشرية كلها إلا أن تسلك طريقاً من طريقين ، وأن تنضم إلى كتلة من الكتلتين ؛ وأنه لا مفر من أن تنتصر الجبهة الغربية ، أو أن تنتصر الجبهة الشرقية ليسود السلام ، وتنعم البشرية بالأمن ، وتصل الإنسانية إلى استقرار ؛ وأن انضمام البقية الباقية من العالم هو السبيل الوحيد لتغليب إحدى القوتين على الأخرى بصفة حاسمة ، لإنهاء حالة القلق والتأرجح والاضطراب.

فأين وجه الحق في هذه الدعوى ، وأين وجه المصلحة القومية والمصلحة الإنسانية في هذا الادعاء ؟

إنه ليس من مصلحتنا نحن ولا من مصلحة الإنسانية أن تغلب الآن إحدى الكتلتين على الأخرى ، وتمحوها من الوجود محواً ؛ فنحن في دور استكمال وجودنا الطبيعي في الحياة ، واستنقاذ مصالحنا المغصوبة بأيدي المستعمرين ، ليس من مصلحتنا أن تهزم الجبهة الشرقية هزيمة نهائية ، ولا من مصلحة الإنسانية كذلك. وإن وجود هذه الكتلة بهذه القوة في هذه الفترة لهو إحدى الضمانات لنا لنستخلص هذه الحقوق يوماً بعد يوم ؛ كما أنه الضمانة المؤقتة للبشرية ألا تسيطر عليها قوى الاستعمار الجائر الغاشم الظالم. وإذا كان فينا من يحسن الظن بأمريكا ، ويظن أن سيطرتها ستحد من شـر الاستعمار ، فلينظر كيف تقف أمريكا في صف هذا الاستعمار ، وكيف تمده بقوة الحديد والنار عند الاقتضاء. على أنني أعيذ البشرية أن يستبد بها الصلف الأمريكي السخيف ، الذي قد لا يقاس إليه الصلف البريطاني ذاته في أرض المستعمرات. إن عداوة الأمريكي للملونين عداوة كريهة بغيضة ، وإن احتقاره للملونين لتهون إلى جانبه تعاليم النازية ؛ وإن صلف الرجل الأبيض في أمريكا ليفوق كل ما كانت تتصوره الهتلرية. وويل للبشرية يوم يوقعها سوء الطالع في ربقة هذا الصلف الأمريكاني ، بلا قوة في الأرض تخشى ويعمل لها حساب.

كذك نحن في حاجة مؤقتة إلى وجود الكتلة الشرقية في الأرض ، لتخويف الطغاة والمستغلين ، واسترداد حقوق الجماهير المسلوبة ، في ظل هذا التخويف ! وإننا لندين لوجود هذه القوة بالشئ الكثير من محاولات تحقيق العدالة الاجتماعية ، ولولا الخوف من الشيوعية ما تم منها كثير ولا قليل !

ولكن هذا كله ليس معناه أنه من الخير لنا وللإنسانية أن ينتصر المعسكر الشرقي انتصاراً حاسماً كاملاً ؛ وأن يتحقق ذلك الحلم الشيوعي الواهم ويدين للشيوعية الجميع.

إن هذا المعسكر لا يبغي لنا الخير ، ولا يطيق أن تكون لنا فيه كرامة ، إنه يريدنا جنوداً له أو عبيداً ، لا أن يكون لنا وجود ذاتي وكيان محترم. ولقد دلتنا تجربة فلسطين على حقيقة ما تضمره لنا روسيا الشيوعية. لقد وقفت منا موقف العداء في مجلس الأمن ، كما أن أسلحة الكتلة الشيوعية لليهود هي التي وقفت في وجوهنا بفلسطين ؛ ذلك أن روسيا كرهت أن يكون للأمة العربية كيان ، وأشفقت أن تستحيل الكتلة العربية قوة حقيقية تستعصي على السيادة الشيوعية في المستقبل ؛ فآثرت أن تتبخر كل دعاواها في حقوق الشعوب الطبيعية ؛ وأن تخسر أساساً من أسس دعايتها ضد الاستعمار ؛ وأن تسمح بقيام دولة إسرائيل على أساس الدين وحده – وهو أنكر ما تنكره الشيوعية – آثرت ذلك كله على تقوية الكتلة العربية ؛ وضربتها تلك الضربة القاسية المنكرة ، لتقوم إسرائيل في جنبها كالشوكة ، تمزق وحدتها الجغرافية ، وتفصل حدودها المتصلة ، وتحرمها التماسك والقوة والشخصية. إن روسيا عدوة وحدتنا وقوتنا ووجودنا الذاتي. وكل ما تلوكه ألسنة دعايتها هو مجرد أسلحة في صراعها مع الكتلة الغربية ، كدعاية هذه الكتلة ضدها سواء بسواء.

إنه لا بأس في نظر الشيوعية الروسية أن نأبى على الكتلة الغربية استخدام مواردنا في الحرب ضدها. أما أن يكون لنا كيان ذاتي ، وقوة شخصية ، ووجود قومي فلا ! وإن دعاتها في بلادنا ليفزعون ، كما لو كانت قد لدغتهم أفعى ، إذا سمعوا دعوة التكتل الذي يوجد لنا شخصية قوية. إنهم لا يريدوننا إلا ذيولاً ذليلة تنعق بالشيوعية ، وتؤدي لها التسهيلات الممكنة في أرضنا حين يستعر القتال ! وهو وضع تأباه علينا مصالحنا ، بل يأباه مجرد الشعور أننا ناس ، لا سوائم ولا أشياء !

والشيوعية قد يكون لها اليوم لألاء في عيون الكادحين المحرومين ، الذين تصاغ دماؤهم يواقيت للنحور والصدور ، ويقطر عرقهم كؤوسا للسكارى والمخمورين .. ولكن تصور البشرية كلها نسخاً مصبوبة في قالب الشيوعية الواحد ، لا يسمح لفكر واحد فيها أن يشذ ، ولا لقلب واحد فيها أن ينبض بخالجة لا يرضاها لينين وستالين .. هذا التصور وحده تقشعر منه الأبدان ، ويشفق من تحققه كل إحساس آدمي سليم !

على أن طبيعة الحياة تأبى الانتصار الكامل الحاسم لقوة واحدة من هاتين القوتين الماديتيين ، اللتين لا يفرق بين طبيعتيهما إلا اختلاف المصالح والمطامع ؛ وإن الهزيمة لتنبت في زحمة النصر ، كما أن النصر ينبت في ركام الهزيمة. وها نحن أولاء نرى أن الحلفاء الذين بذلوا ما بذلوا ليقهروا ألمانيا واليابان ينحتون اليوم على الحطام والأشلاء ، ليستنقذوا منها المارد الذي صرعوه بالأمس ، كي يستعينوا به على المارد الجديد .. نفس الذي فعلوه بعد الحرب العالمية الأولى .. ولئن انتصروا غداً على الجبهة الشرقية ، فليواجهن ألمانيا من جديد ؛ ولئن انتصرت الشيوعية فلينبتن لها عدوها من ذات نفسها. من الضغط والكبت اللذين لا تطيقهما البشرية طويلاً. وقد بدأت يوغسلافيا حتى قبل المعركة ، وسيتبعها التشـقق في المعسكر الشيوعي ، لنفس الأسباب ، أو بسبب الجمود والتوقف الناشئين من صب البشرية كلها في قالب واحد ، تسيطر عليه فكرة واحدة ، لا تسمح بأي تطور بعد مرحلة الشيوعية ، التي تعد ختاماً للحلم الماركسي لا تتعداه ! وإنها للعنة لا تصاب بها الإنسانية إلا وقد أريد بها شر عظيم.

إنه لمن السذاجة أن نتصور أننا نستطيع أن نجني ثمرة السلام العالمي من وراء اصطدام هاتين الكتلتين الضخمتين في حرب حاسمة أخيرة. ولقد كان الطيبون الأبرياء في العالم يتخيلون هذه الثمرة الحلوة يانعة بعد كل من الحربين الماضيتين ؛ فلم تطلع شجرة الحرب إلا ثمرات مرة ، تجرعها هؤلاء الطيبون الأبرياء ؛ وكان الجنى الحلو كله للطغاة والمستغلين ، من الشرقيين أو الغربيين.

طريق الخلاص

إن طريق الخلاص للبشرية المنكودة الطالع لن يكون هو الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذاك ، ليسحق أحدهما الآخر سحقاً ، ويخلو له وجه العالم ، يسيطر عليه وحده ويسيره كما يريد.

إن المعركة في صميمها ستدور في أرض غير أرض الكتلتين. ستدور في تركيا وإيران والعراق وسورية ، ومصر والشمال الأفريقي. وفي باكستان وأفغانستان. وفي منابع البترول الإيرانية والعربية في عبادان والظهران .. إنها ستدمر مواردنا نحن ، وتحطم حياتنا نحن ، وتدع أرضنا بقعاً خراباً يباباً. وسواء علينا انتصرت هذه أم انتصرت تلك ، فسنخرج نحن من المعركة فتاتاً وحطاماً. لا كما خرجت أوربا من الحروب الماضية ، ولكن كما لم تخرج أمة من حرب قط. وإذا كانت هيروشيما قد ذهبت مثلا ، بقنبلة ذرية صغيرة ، فسنكون نحن تلك الفئران الصغيرة ، لتجارب القنابل الذرية ، والقنابل الهيدروجينية ، وغاز الموت الزاحف ، وأشعة الموت السحرية ، وحرب الميكروبات الطائشة ، وسائر ما يتمخض عن الذهن الكافر في دنيا الضمير الغربي الملوث.

إن دعاة الكتلة الغربية هنا يمنوننا بحل قضايانا المعلقة مع الاستعمار ، إذا نحن انضممنا إلى معسكر الرأسمالية الذي يدعونه معسكر الديمقراطية ! كأننا لم ننضم إلى هذا المعسكر مرتين متواليتين ، وكأننا لم نلدغ من ذلك الجحر مرتين. وأنا أعرف السبب في ذلك الموقف الغريب المريب .. إنه تلك المحالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والاستعمار الغربي. إنه المصلحة المشتركة بين المحتلين والمستغلين. إن الطغاة والمستغلين هنا لا يطيقون أن ينزلوا عن القليل مما مردوا عليه من طغيان واستغلال ؛ وهم يدركون جيداً أن الاستعمار هو سندهم الطبيعي ، وأنه هو الذي خلقهم وأنشأهم ، ومنحهم النفوذ والثراء. فهو الذي كافأ الخونة الذين خدعوا جيش عرابي ، وساعدوا جيش الاحتلال في مصر ؛ ووهب لهم الضياع والأموال ، حتى لقد أصبحوا اليوم يدعون أبناء البيوتات ، ويلقبون بالأسر الكريمة[3] والاستعمار يصنع هذا في كل مكان ، وأقرب الأمثلة الأخيرة ذلك « الجلاوي » الخائن في مراكش ، الذي لا يستحي أن يفخر بمصرع نجله في حملة فرنسية على الوطنيين المسلمين في البلاد !

وماذا على السادة أن تصبح الجماهير وقوداً للحرب الجديدة ؟ إن الحروب تضاعف أموالهم ؛ وتؤدي عنهم الديون التي تصقل أراضيهم وشركاتهم ، إن كانوا قد أسرفوا على أنفسهم بخسائر القمار ، أو بالمتاع الفاجر الداعر الذي يذهب بالأموال. وإنهم ليطمئنون في ظل الأحكام العرفية التي تصاحب الحرب إلى حماية أشخاصهم من الفضائح ، وإلى تكميم الأفواه وتحطيم الأقلام ، وإلى البطش بالأحرار الذين يوقظون الجماهير لحقوق الجماهير. وإنهم لفي مأمن من ويلات الحرب بأرواحهم ، كما هم في مأمن منها بأموالهم ؛ فضريبة الدم لا يؤديها في بلاد الشرق إلا الفقراء ! ولقد رأينا في معارك فلسطين كيف كان الضباط من « أولاد الذوات » يجنبون ويلات الحرب في الميدان ، ثم يمنحون أوسمة الشجاعة ، وهم في القاهرة غارقون في المواخير « والكباريهات » !

فماذا على السادة أن يربطوا بلادهم بعجلة الرأسمالية – حليفتهم الطبيعية – وهم في مأمن من كل خسارة ؟ وماذا على الرأسمالية الغربية أن تزدري صيحات الشعوب للحرية ، وفي يدها زمام السادة الذين يعرفون أولياء نعمتهم الحقيقيين ، وحماتهم الأصليين ؟ !

وأما دعاة الشيوعية فإنهم يمنوننا بالخبز والسـلام إذا نحن انضممنا إلى صفوف الشيوعية ، حتى تنتصر الشيوعية.

ونحن في حاجة حقاً إلى الخبز والسلام. ولكننا في حاجة معهما إلى القوة والكرامة. والشيوعية تأبى علينا أن يكون لنا وجود ذاتي ، أو أن نرفع رؤوسنا كآدميين. وها هي ذي تقدم لنا المثل في موقفها من ربيبتها الأولى يوغسلافيا ، حينما همت أن يكون لها في ذاتها وجود.

والشيوعية قد تكون الطريق الوحيد في أوربا المسيحية لتحقيق عدالة اجتماعية مادية ؛ ولكنها ليست الطريق الوحيد في بلادنا حيث نملك وسائل أخرى لتحقيق عدالة اجتماعية أشمل وأكرم من عدالة الشيوعية المادية ، لا تسلبنا وجودنا الذاتي ، ولا تقاوم رغبتنا الطبيعية في الكرامة. وهي عندنا أكرم وأولى.

إن طريق الخلاص هو أن تبرز إلى الوجود من أرض المعركة المنتظرة كتلة ثالثة تقول لهؤلاء ولهؤلاء : لا ! إننا لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا. إننا لن ندع مواردنا تخدم مطامعكم ، ولن ندع أجسادنا تطهر حقول الغامكم ؛ ولن نسلمكم رقابنا كالخراف والجداء.

إن هذه وحده هو الذي يعيد إلى الأدمغة المحمومة شيئاً من الهدوء ؛ وإلى الخطوات المجنونة شيئاً من الاتزان. ثم يشعر هؤلاء وهؤلاء أن في هذه الرقعة الفسيحة الضخمة الهامة ناساً ، يحسب لهم حساب ، لا كميات مهملة ، ولا ماشية وأذناب !

وإن الذين استعمرت دعايات الكتلتين أرواحهم ليقولون : إن هذا مستحيل ما إليه من سبيل. فنحن لا نملك القوة التي يقف بها حاجزاً بين الكتلتين ؛ وستدوسنا الأقدام من هنا أو من هناك ، لا يغني عنا أن نعلن الحياد ، أو أن ننضم إلى هذا أو ذاك.

وأنا أدرك كيف تستعمر الدعاية الأرواح والأذهان ؛ ولكني لا أدرك كيف يهون الناس على أنفسهم إلى هذا الحد الزري ، وكيف لا يخجلون أن يصبحوا بإرادتهم عبيداً وأشياء !

إن جيشاً ما لا يأمن أن يدير المعركة في أرض معادية ، يتربص به أهلها الدوائر ؛ ويتلفون ذخيرته ومؤنه ؛ ويقطعون خطوطه ومواصلاته ؛ ويتجسسون عليه للعدو ؛ ويحرمونه الهدوء والراحة ، سواء سالمهم فتركهم إلى ما هم فيه ، أو تولى الحملة عليهم ، ليواجه الثورة الداخلية بينما هو يواجه الأعداء في الميدان.

ولقد هزم الجيش الألماني الظافر مرتين بسبب الثورات والانتفاضات الداخلية ، قبل أن يهزم في ميادين القتال. وما من جيش يواجه عداء الشعوب وهو آمن في قديم الحروب أو حديثها. وما يؤمن بذلك إلا المستغفلون الأذلاء ؛ إن هذه الشعوب التي تعد مئات الملايين والتي تتحكم مواقعها الاستراتيجية في نتائج أية حرب عالمية ، وتتحكم مواردها الطبيعية في النصر والهزيمة إن هذه الشعوب لا تعجز عن شئ حين تريد ، وكل قول غير هذا هراء !



كلمة الإسلام

ذلك ما ينطق به الواقع ، وما تؤدي إليه النظرة العملية للأوضاع والأشياء فأين كلمة الإسلام في الموقف ، من واقع الأوضاع والأشياء ؟

1 - إن هذا الإسلام بمبادئه الكلية عن الحياة ، وبفكرته العامة عن السلام .. يلعن هذه الحروب التي تخوضها البشرية في هذه الأيام ، ويلعن الأسـباب التي تدفع بها على الوجود ، ويلعن الداعين إليها والخائضين فيها .. إنها حرب ملعونة الدوافع ، ملعونة الوقائع ، ملعونة النتائج ، لأنها كلها حرب على كلمة الله في الأرض ، وحرب على المبادئ العليا التي أراد.

ومن ثم فالإسلام يحرم علينا أن ننضم إلى قوى الطاغوت في الأرض وأن نتعاون على الإثم والعدوان : « الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت[4] » وما من شك أن بواعث هذه الحرب وأهدافها ليست في شئ من كلمة الله ، وليست بحال من الأحوال في سبيل الله.

2 - وإن هذا الإسلام ليحرم علينا أن نمد أيدينا إلى الذين يؤذون المسلمين ، ويخرجونهم من ديارهم ، ويظاهرون على إخراجهم : « إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ديارهم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم[5] » ولقد اشتركت إنجلترا وأمريكا ومعهما روسيا في إخراجنا من ديارنا بفلسطين. وكل دار للمسلمين في الأرض دارنا. ولقد اشتركت فرنسا في إيذائنا ومقاتلتنا في الشمال الإفريقي كله وما تزال. ولقد قاتلونا جميعاً في الدين وما يزالون.

ومن ثم فكل معاهدة وكل تعاون مع واحدة أو أكثر من هذه الدول الأربع يحرمها الإسلام تحريماً ؛ ويعد الدولة التي تعقدها خارجة على نص إسلامي صريح ؛ فلا طاعة لهذه الدولة على رعاياها في هذا المنكر ؛ بل على الأمة أن ترد الدولة عن المنكر بكل وسيلة وبكل طريق.

3 - وإن هذا الإسلام ليحتم علينا أن ندفع عن البشرية الظلم ، وأن نبدأ بأنفسنا في دفع هذا الظلم عنا. وليس ظلم على وجه الأرض أشنع من الاستعمار. وهو يتمثل بالقياس إلى الوطن الإسلامي الآن في ثلاث دول ظالمة عادية : إنجلترا وفرنسا وإسرائيل.

ومن ثم فالإسلام يدعونا لأن نجاهد هذه الدول في كل ميدان ؛ وأن نمتشق الحسام في وجهها في أول فرصة تسنح ؛ وأن نعد أنفسنا في حالة حرب معها حتى تكفَّ عن هذا العدوان : « وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم[6] ».

4 - وما ينطبق على الدول والحكومات في هذا المجال ينطبق على الجماعات والأفراد. فكل شركة وكل مؤسسة مالية أو تجارية وكل فرد ، يتعاون مع هذه الدول أي نوع من التعاون .. هو خارج على الإسلام ، مخالف عن أمر الله ، خارج على الأمة المسلمة ، مؤذ للمسلمين في كل مكان.



وهؤلاء المقاولون الذين يوردون الأطعمة أو المهمات لجيوش هذه الدول في أي مكان ؛ وهؤلاء العمال الذين يعملون لهم في المعسكرات ، أو يقومون لهم بالشحن في الموانئ وسواها ؛ وهؤلاء المشايخ المحترفون الذين تستخدمهم شركات الاستعمار لإنقاذها من الورطات .. إنما يخونون الله ورسوله ويخونون المسلمين ويختانون أنفسهم ، ويعصون الله ورسوله كلما امتدت أيديهم بلقمة أو خدمة أو معونة أو فتوى !

إن الإسلام يحتم على كل فرد وكل هيئة وكل حكومة وكل دولة في كل بلد إسلامي أن يجاهد هذه القوى الباغية ، وأن يكافحها ، وأن يوجه إليها الطعنة التي يستطيعها بالطريق الذي يستطيعه. فنحن في حالة حرب دائمة معها حتى تكف عن العدوان ، وتكف عن البغي في الأرض كافة.

هذه هي كلمة الإسلام صريحة واضحة ، عالية مدوية تفتح لنا طريق الخلاص ، وترسم للبشرية كلها طريق السلام. السلام الكامل الشامل المبرأ من البغي والفساد والعدوان.

فأما كيف تتحقق كلمة الإسلام هذه في واقع الحياة ؟ فالجواب أنها لا تستطيع في الظروف العالمية الراهنة أن تتحقق إلا أن تخطو الأمة الإسلامية خطوتين متلازمتين :

الخطوة الأولى : هي الرجوع إلى حكم الإسلام في داخل كل دولة من دويلاتها ودولاتها القائمة. واستمداد القوانين والتشريعات من الشريعة الإسلامية. وتنفيذ المبادئ الخلقية والاقتصادية والاجتماعية المستمدة من هذه الشريعة. وصياغة مناهج تعليمها وتربيتها وبرامجها في ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة.

والخطوة الثانية : هي تكتل هذه الدويلات والدول تحت الراية الإسلامية تكتلها في ميدان السياسة الدولية ، وفي المجال الاقتصادي ، وفي المجال الحربي سواء تكتلها على أساس : أنها أولاً : تطلب الاستقلال والحرية كاملين لها ولأهلها جميعاً ؛ وأنها ستكون حرباً على كل معتد على هذا الاستقلال. وأنها ثانياً : تقف ضد كل اعتداء وكل استعمار من أي نوع على ظهر هذه الأرض جميعاً.

وهذه الكتلة المتجانسة هي التي تملك أن تحمل راية جديدة ، تمثل فكرة إنسانية جديدة ؛ وتلوح بها للبشرية الضالة المعذبة الشقية المنكودة.

هذه الكتلة المتصلة الحدود من شواطئ الأطلنطي إلى شواطئ الباسفيكي والتي تضم مراكش وتونس والجزائر وليبيا ووادي النيل وسوريا ولبنان والعراق والأردن والجزيرة العربية واليمن ، وتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان وإندونيسيا.

هذه الكتلة التي يربى عددها على ثلاثمئة مليون من السكان والتي تملك أغنى منابع البترول والمواد الخام ؛ والتي تتحكم بمواقعها الاستراتيجية في مواصلات العالم.

هذه الكتلة تملك أن يكون لها وزن ، حتى ولو كانت مجردة من السلاح ؛ وتملك أن تجعل كل كتلة من الكتلتين المتنازعتين تفكر مرتين قبل الإقدام على حرب ، تجتاح فيها هذه المناطق الشاسعة ، التي تقوم حاجزاً بين الكتلتين لا تلتقيان إلا باجتياحه ؛ وتفكر مرات قبل أن تظل مصرة على سياستها الاستعمارية الطاغية الباغية في هذه الأرض المنكوبة بلعنة الاستعمار.

هذه الكتلة تملك هذا كله إذا وصلت درجة اليقظة فيها على الحد الذي تقف به في وجه الدعايات المزيفة ، التي يقوم بها دعاة كل من الكتلتين فيها. إذا هي عرفت كيف تجبر حكامها والمستغلين فيها على انتهاج سياسة إسلامية خالصة. إذا هي نظمت اقتصادياتها وإمكانياتها ، وخلصتها من الاستعمار الاقتصادي الذي يمكن له فيها حكامها ، وأصحاب رؤوس الأموال المستغلون الذي لا يهمهم وطن ولا قومية ولا دين.

وأنا أكتب هذا للشعوب لا للحكومات. أكتبه للجماهير لا للمستغلين وأنا مؤمن بالشعوب والجماهير في تلك الرقعة العريضة من الأرض. وأيَّا ما كانت عوامل الضعف والفرقة ، وعوامل الضغط والكبت ، فإن واجب الدعاة ألا يفقدوا إيمانهم بالشعوب ؛ فالشعوب تملك حين تريد. تملك أن تسبب المتاعب للأقوياء ولحلفائهم من أهل البلاد. تملك أن تكلف هؤلاء وهؤلاء عنتاً دائماً لا يأمنون معه الاندفاع ، ولا يحمون معه ظهورهم من الاضطراب والانتقاض.

ولقد آن للشعوب أن تضع حداً لذلك العبث الآثم الذي يزاوله حكامها والمستغلون فيها ؛ وأن تقرر مصائرها بأيديها ، وتقطع كل يد تعبث بهذه المصائر لغاية خاصة لا تعني هذه الشعوب.

لقد ضاعت فلسطين على مذبح المنافسات بين عدة بيوت حاكمة ، لا لأن قوى الأمة العربية – أياً كانت ضعيفة – عجزت عن الوقوف أمام حفنة من اليهود ؛ مهما جاءتهم النجدة من الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية. ولو كان في مجموعة الشعب العربي من الحيوية إذ ذاك ما تحطم به من أطماع الطامعين وتضرب على أيديهم العابثة ما وقعت الكارثة.

وما وقعت الكارثة إلا أن الرايات المتفرقة. رايات القوميات الهزيلة. قد جعلت لأطماع الدويلات وبيوتها الحاكمة المقام الأول ، والكلمة الغالبة.

إن العودة إلى راية الإسلام الواحدة هي الطريق الوحيد الباقي. إن هذه الراية اليوم هي شارة الخلاص . وإن كلمة الإسلام لهي الكلمة الأخيرة التي يتنادى بها المسلمون للنجاة. بل تتنادى بها البشرية للأمن والحياة.

1 وقد كانت تصر على حرب الهند الصينية وتدفع فرنسا إلى استمرار فيها وتشترك بحاملات الطائرات وتنذر بدخول القوات الأمريكية. لولا أن فرنسا آثرت السلامة !

2 ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في عام 1951م.

3 كتب هذا الكلام في عهد الملك المخلوع وأبقيناه في هذه الطبعة للتسجيل التاريخي.

4 النساء 76

5 الممتحنة 9

6 البقرة 190 ....وبس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

كلام كتبه سيد قطب رحمه الله قبل اكثر من نصف قرن... :: تعاليق

راجية الشهادة
رد: كلام كتبه سيد قطب رحمه الله قبل اكثر من نصف قرن...
مُساهمة في 6/6/2012, 11:17 am من طرف راجية الشهادة
لقد قرأت من بداية الموضوع بسبب طوله ارتأيت أن أقوم بقسيط قرائتي له لأنه مهم في نظري أن أتدبر في حروفه لأهميته
أشكرك أخي ولي عودة بإذن الله لمتابعة ما تبقى منه
السلام عليكم
جزاك الله عنا كل خير اخي الكريم...

موضوع مهم جدا
وسبحان الله الذي الهم هذا الرجل المجاهد الشهيد نحسبه كذلك والله حسيبه الهمه الله هذه النظرة الثاقبة النقية الصفية...
وهو بذلك يروي لنا الداء والدواء في كلمات واسطر وببساطة قوية
والله تمنيت لو قرا كل داعية الى الاصلاح هذا المقال

والسلام عليكم
بدنا نحكي مع ولد الشقران امانة في اعناقكم هدا بريدي abod.absi_boss@hotmail.com
بدنا نحكي مع ولد الشقران امانة في اعناقكم هدا بريدي abod.absi_boss@hotmail.com
بدنا نحكي مع ولد الشقران امانة في اعناقكم هدا بريدي abod.absi_boss@hotmail.com
 

كلام كتبه سيد قطب رحمه الله قبل اكثر من نصف قرن...

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المؤمنين والمؤمنات :: {{{{{{{{{{مدونات اعضاء المؤمنين والمؤمنات}}}}}}}}}} :: مدونات الاعضاء :: خواطر ولد الشقران-
انتقل الى:  





انت الزائر رقم ---------

http://almoumnon.1forum.biz/